تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
أحكم من هذا الكتاب ، لاستنساخ هذا الكتاب وقراءته عليّ ، ويكتبونه بخطوطهم ، ويصيّرونه إماما يقتدون به ، ويتدارسونه بينهم ، ويتأدّبون به ، ويستعملون ألفاظه ومعانيه في كتبهم وخطاباتهم ، ويروونه عنّي لغيرهم من طلّاب ذلك الجنس فتثبت لهم به رئاسة ، [ و ] يأتمّ بهم قوم فيه ؛ لأنه لم يترجم باسمي ، ولم ينسب إلى تأليفي .

[ 9 - الجاحظ يترك بعض الكتب غفلا اشفاقا من الطعن عليها ]

ولربّما خرج الكتاب من تحت يدي محصفا كأنّه متن حجر أملس ، بمعان لطيفة محكمة ، وألفاظ شريفة فصيحة ، فأخاف عليه طعن الحاسدين إن أنا نسبته إلى نفسي ، وأحسد عليه من أهمّ بنسبته إليه لجودة نظامه وحسن كلامه ، فأظهره مبهما غفلا في أعراض أصول الكتب التي لا يعرف وضّاعها ، فينهالون عليه انهيال الرّمل ، ويستبقون إلى قراءته سباق الخيل يوم الحلبة إلى غايتها .

[ 10 - عودة إلى الحسد والعداوة ]

وحسد الجاهل أهون شوكة وأذلّ محنا ، من حسد العارف الفطن ؛ لأنّ الحاسد الجاهل يبتدر إلى الطّعن على الكتاب في أوّل وهلة يقرأ عليه ، من قبل استتمام قراءته ورقة واحدة ؛ ثم لا يرضى بأيسر الطعن وأخفّه حتّى يبلغ منه إلى أشدّه وأغلظه ، من قبل أن يقف على فصوله وحدوده . وليس ثلبه مفسّرا مفصّلا ، ولكنه يجمل ذلك ويقول : هذا خطأ من أوّله إلى آخره ، وباطل من ابتدائه إلى انقضائه ، ويحسب أنّه كلما ازداد إغراقا وطعنا وإطنابا في الحمل على واضع الكتاب ، كان ذلك أقرب إلى القبول منه . وهو لا يعلم أنّ المستمع إليه إذا ظهر منه على هذه المنزلة استخفّ به ، وبكّته بالجهل ،