تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
ومن لؤم الحسد أنه موكّل بالأدنى فالأدنى ، والأخصّ فالأخصّ . والعداوة وإن كانت تقبّح الحسن فهي دون الحسد ؛ لأنّ العدوّ المباين قد يحول وليّا منافقا ، كما يحول المولى المنافق عدوّا مباينا . والحاسد لا يزول عن طريقته إلّا بزوال المحسود عليه عنده . والعداوة تحدث لعلّة ، فإذا زالت العلّة زالت معها . والحسد تركيب لعلة يحسد عليها فهو لا يزول إلّا بزوالها . ومن هذا قال معاوية رحمه اللّه : يمكنني أن أرضي الناس كلّهم إلّا حاسد نعمة ، فإنّه لا يرضيه منها إلّا زوالها . وأعداء النّعمة إذا شوركوا فيها ونالوا منها تزحزحوا عن عداوتها ، وكانوا من أهلها المحامين عنها ، والدافعين عن حماها . ومن هذا قال المغيرة بن شعبة : النعمة التي يعاش فيها نعمة محروسة ليس عليها ثائر يغتالها ، ولا ذو حسد يحتال في غيرها . وقال قتيبة بن مسلم : خير الخير وأحصنه خير عيش فيه . وكلّ خير كان يرضخ بذلا كان من المتألف ممنوعا ، ومن الغير آمنا . وحسّاد النعمة إن أعطوا منها وتبحبحوا فيها ، ازدادوا عليها غيظا وبها إغراء . والعداوة تخلق وتملّ ، والحسد غضّ جديد ، حرم أو أعطي ، لا يبيد . فكل حاسد عدوّ ، وليس كل عدوّ بحاسد . وإنّما حمل اليهود على الكفر بمحمد صلى اللّه عليه وسلم - وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم أنّه نبيّ صادق ورسول محقّ ، يقرءون بعثه في توراتهم ، ويتدارسونه في بيت مدراسهم - الحسد ، وحجز بين علمائهم والإيمان به ، ثم نتج لهم الحسد عداوته . ومن الدليل على أنّ الحسد آلم وآذى وأوجع وأوضع من العداوة ، أنّه مغرى بفعل اللّه عزّ وجلّ ، والعداوة عارية من ذلك لا تتّصل إذا اتّصلت إلّا