تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
كان بدر منه ، لتظنّ به الرّعة ، ويقال إنّه لم يرجع عن قوله واعترف بالخطإ إلّا من عقل وازع ، ودين خالص . وإنما ذلك حيلة منه ودهاء قدّمه أمام ما يريد أن يوكّد لنفسه ويوطّد لها ، من قبول القول في سائر ما يرد عليه من الكتب عن غير مواقفة على مواضع ، ويجعل ما قد تقدّم له من الرّجوع عن قوله عندما تبيّن له خلاف ما قال ، أوثق أسباب عدالته ، وأحكم عرى نصفته . وكان يقال : من لطيف ما يستدعي به الصّدق إظهار الشك في الخبر الذي [ لا ] يشكّ فيه . وكان يقال : من غامض الرياء أن ترى بأنك لا ترائي . ومن أبلغ الطّعن على ما تريد الطّعن عليه أن تطعن ثم تستغفر اللّه ، ثم تتمهّل فترة ، ثم تعود لطعن هو أعظم منه وأطمّ من الأوّل ؛ ليوثق بك فيه ، ويقال : إنّ هذا لو كان عن حسد ما رجع عن الطعن الأوّل . وقد قيل : ذو الغيبة المشهور بها المنسوب إليها يقلّ ضرره ، ويضعف كيده ، لما شاع له في الناس وانتشر منه ، فكان عندهم ظنينا متّهما ، ومطبوعا عليها ، يستمعون منه على قضاء ذمام المجالسة والتلذّذ به ، من غير قبول ولا اصطفاء له . وإنما البليّة في غيبة حذّاق المغتابين الذين يسمعون ، فيضحكون ولا يتكلّمون . وأحذق منهم الذين يستمعون ويسكتون القائل ويدعون اللّه بالصّلاح للمقول فيه ، فهم قد أسكتوا القائل المغتاب ودعوا للمقول فيه ، وأوكدوا قول القائل ؛ لأنّه لو حلّ عندهم محلّ البراءة مما قيل له لجبّه القائل وردع عن قوله . وقد قال بعض العلماء : إنّ عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود كان من نبلاء المغتابين وحذّاقهم حيث يقول :
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 379 | الجاحظ / علي أبو ملحم