تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
أحد من خلقه إيمانا إلّا بالإقرار ، وجعل مسلكه اللّسان ، ومجراه فيه البيان ، وصيّره المعبّر عمّا يضمره والمبين عمّا يخبره ، والمنبئ عن ما لا يستطيع بيانه إلّا به . وهو ترجمان القلب . والقلب وعاء واع . ولم يحمد الصّمت من أحد إلّا توقّيا لعجزه عن إدراك الحقّ والصّواب في إصابة المعنى . وإنّما قاتل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم المشركين عند جهلهم اللّه تعالى وإنكارهم إياه ، ليقرّوا به ، فإذا فعلوه حقنت دماؤهم ، وحرّمت أموالهم ، ورعيت ذمّتهم . ولو أنّهم سكتوا ضنّا بدينهم لم يكن سبيلهم إلّا العطب . فاعلم أنّ الكلام من أسباب الخير لا من [ أسباب ] الشر . والكلام - أبقاك اللّه - سبيل التمييز بين الناس والبهائم ، وسبب المعرفة . لفضل الآدميّين على سائر الحيوان ، قال اللّه عز وجلّ :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
. كرّمهم باللسان وجمّلهم بالتدبّر .

[ 7 - الكلام آلة الشكر ]

ولو لم يكن الكلام لما استوجب أحد النّعمة ، ولا أقام على أداء ما وجب عليه من الشّكر سببا للزّيادة ، وعلّة لامتحان قلوب العباد . والشكر بالإظهار في القول ، والإبانة باللّسان . ولا يعرف الشكر إلّا بهما . واللّه تعالى يقول :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
، فجعل الشّكر علّة لوجوب الزّيادة ، عند إظهاره بالقول ، والحمد مفتاحا للنّعمة . وقد جاء في بعض الآثار : لو أنّ رجلا ذكر اللّه تعالى وآخر يسمع له كان المعدود للمستمع من الأجر ، والمذكور له من الثّواب واحدا وللمتكلّم به عشرة أو أكثر .