تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
كلامه وبيانه كفضله على المبعوث إليه ، فكان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أفصح العرب لسانا ، وأحسنهم بيانا ، وأسهلهم مخارج للكلام وأكثرهم فوائد من المعاني ؛ لأنه كان من جماهير العرب ، مولده في بني هاشم ، وأخواله من بني زهرة ، ورضاعه في بني سعد بن بكر ، ومنشؤه في قريش ، ومتزوّجه في بني أسد بن عبد العزّى ، ومهاجره إلى بني عمرو ، وهم الأوس والخزرج من الأنصار . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أنا أفصح العرب بيد أنّي من قريش ، ونشأت في بني سعد بن بكر » . ولو لم يكن ممّا عددنا من هؤلاء الأحياء إلّا قريش وحدها لكان فيها مستغنى عن غيرها ، وكفاية عن من سواها ، لأنّ قريشا أفصح العرب لسانا وأفضلها بيانا ، وأحضرها جوابا ، وأحسنها بديهة ، وأجمعها عند الكلام قلبا . ثم للعرب أيضا خصال كثيرة ، ومشاهد كثيرة ، ممّا يشاكل هذا الباب ، ويضارع هذا المثال ، حذفت ذكرها خوف التطويل فيها . فصل منه : فهذه كلّها دلائل على دحض حجّتك ونقض قضيّتك . وإنّما أرسل اللّه تعالى رسله مبشّرين ومنذرين الأمم ، وأمرهم بالإبلاغ ليلزمهم الحجّة بالكلام لا بالصّمت ، إذ لا يكون للرّسالة بلاغ ولا للحجّة لزوم ولا للعلّة ظهور إلّا بالنّطق . فصل منه : وليس يقوى على ذلك إلّا امرؤ في طبيعته فضل عن احتمال نحيزته وفي قريحته زيادة من القوّة على صناعته ، ويكون حظّه من الاقتدار في المنطق فوق قسطه من التغلّب في الكلام ، حتّى لا يضع اللّفظ الحرّ النبيل إلّا على مثله من المعنى ، ولا اللفظ الشريف الفخم إلّا على مثله من المعنى . نعم ، وحتّى يعطى اللّفظ حقّه من البيان ، ويوفّر على الحديث قسطه من الصّواب ، ويجزل للكلام حظّه من المعنى ، ويضع جميعها مواضعها ، ويصفها بصفتها ، ويوفّر عليها حقوقها من الإعراب والإفصاح .