تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١

[ 2 - الكلام أداة التعبير عن الحاجات ]

إنّي وجدت فضيلة الكلام باهرة ، ومنقبة المنطق ظاهرة ، في خلال كثيرة ، وخصال معروفة . منها : أنّك لا تؤدّي شكر اللّه ولا تقدر على إظهاره إلّا بالكلام . ومنها : أنّك لا تستطيع العبارة عن حاجاتك والإبانة عن مأربك إلّا باللّسان . وهذان في العاجل والآجل مع أشياء كثيرة لو ينحوها الإنسان لوجدها في المعقول موجودة ، وفي المحصول معلومة وعند الحقائق مشتهرة ، وفي التّدبير ظاهرة .

[ 3 - الكلام يميز الانسان عن الحيوانات والجمادات ]

ولم أجد للصّمت فضلا على الكلام ممّا يحتمله القياس ، لأنّك تصف الصمت [ بالكلام ، ولا تصف الكلام به . ولو كان الصّمت ] أفضل والسّكوت أمثل لما عزف للآدميّين فضل على غيرهم ، ولا فرق بينهم وبين شيء من أنواع الحيوان وأخياف الخلق في أصناف جواهرها واختلاف طبائعها ، وافتراق حالاتها وأجناس أبدانها في أعيانها وألوانها . بل لم يمكن أن يميّز بينهم وبين الأصنام المنصوبة والأوثان المنحوتة ، وكان كلّ قائم وقاعد ، ومتحرّك وساكن ، ومنصوب وثابت ، في شرع سواء ومنزلة واحدة ، وقسمة مشاكلة ؛ إذ كانوا في معنى الصّمت بالجثّة واحدا ، وفي معنى الكلام بالمنطق متباينا . ولذلك صارت الأشياء مختلفة في المعاني ، مؤتلفة الأشكال ، إذ كانت في أشكال خلقتها متّفقة بتركيب جواهرها ، وتأليف أجزائها ، وكمال أبدانها ، وفي معنى الكمال متباينة عند مفهوم نغماتها ، ومنظوم ألفاظها ، وبيان معالمها وعدل شواهدها .