تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
سببا لنجاته ، وعلّة لخلاصه ، وكان كلامه عند ذلك أحمد من صمت غيره في مثل ذلك الموضع ، لأنّه عليه السلام لو سكت عند سؤالهم إيّاه لم يكن سكوته إلّا على بصر وعلم ، وإنّما تكلّم لأنّه رأى الكلام أفضل ، وأنّ من تكلّم فأحسن قدر أن يسكت فيحسن ، وليس من سكت فأحسن قدر أن يتكلّم فيحسن . واعلم - حفظك اللّه - أنّ الكلام سبب لإيجاب الفضل ، وهداية إلى معرفة أهل الطّول .

[ 5 - الكلام يبين فضل صاحبه ]

ولولا الكلام لم يكن يعرف الفاضل من المفضول ، في معان كثيرة ، لقول اللّه عزّ وجلّ ، في بيان يوسف عليه السلام وكلامه عند عزيز مصر ، لمّا كلّمه فقال :
إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
. فلو لم يكن يوسف عليه السلام أظهر فضله بالكلام ، والإفصاح بالبيان ، مع محاسنه المونقة ، وأخلاقه الطّاهرة ، وطبائعه الشريفة ، لما عرف العزيز فضله ، ولا بلغ تلك المنزلة لديه ، ولا حلّ ذلك المحلّ منه ، ولا صار عنده بموضع الأمانة ، ولكان في عداد غيره ومنزلة سواه عند العزيز . ولكنّ اللّه جعل كلامه سببا لرفع منزلته ، وعلوّ مرتبته ، وعلّة لمعرفة فضيلته ، ووسيلة لتفضيل العزيز إيّاه .

[ 6 - الكلام دليل على الايمان والشريعة ]

ولم أر للصّمت فضيلة في معنى ولا للسّكوت منقبة في شيء إلّا وفضيلة الكلام فيها أكثر ، ونصيب المنطق عندها أوفر ، واللّفظ بها أشهر . وكفى بالكلام فضلا ، وبالمنطق منقبة ، أن جعل اللّه الكلام سبيل تهليله وتحميده ، والدّالّ على معالم دينه وشرائع إيمانه ، والدّليل إلى رضوانه . ولم يرض من