تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
وصفناه وأخبرنا به عنه يقوم بأيسر الجرم ، وأقلّ الثمن . ثم يعطيك في السّفر ما يعطيك في الحضر ، وسواء عليك البساتين والجنان . ويصلح بالليل كما يصلح بالنهار ، ويطيب في الصّحو كما يطيب في الدّجن ، ويلذّ في الصيف كما يلذّ في الشتاء ، ويجري مع كلّ حال . وكلّ شيء سواه فإنّما يصلح في بعض الأحوال . ويدفع مضرّة الخمار ، كما يجلب منفعة السّرور . إن كنت جذلا [ كان ] بارّا بك ، وإن كنت ذا همّ نفاه عنك . وما الغيث في الحرث بأنفع منه في البدن ، وما الرّيش السّخام بأدفأ منه للمقرور . ويستمرأ به الغذاء ويدفع به ثقل الماء ، وتعالج به الأدواء ، وتحمّر به الوجنتان ، ويعدل به قضاء الدّين .

[ 8 - النبيذ يسبب السرور ويحث على الجود ]

إن انفردت به ألهاك ، وإن نادمت به سوّاك . ثم هو أصنع للسّرور من زلزل ، وأشدّ إطرابا من مخارق ، وقدر احتياجهما إليه كقدر استغنائه عنهما ؛ لأنّه أصل اللذات وهي فرعه ، وأوّل السرور ونتاجه . وللّه درّ أوّل من عمله وصنعه ، وسقيا لمن استنبطه وأظهره . ما ذا دبّر ؟ وعلى أيّ شيء دلّ ؟ وبأيّ معنى أنعم ؟ وأيّ دفين أثار ؟ وأيّ كنز استخرج . ومن استغناء النّبيذ بنفسه ، وقلّة احتياجه إلى غيره ، أنّ جميع ما سواه من الشراب يصلحه اللّج ، ولا يطيب إلّا به .
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 265 | الجاحظ / علي أبو ملحم