حتّى لا تعاب إلّا بما زاد على قوّتك . ولولا أنك عين الجواد لم نطلبه منك . ولولا ظنّك لم نحمدك عليه . ولولا معرفتك بفضله لم نعجب من تقصيرك في حقّه ، ولولا أنّ الخطأ فيك أقبح ، والقبيح منك أسمج ، وهو فيك أبين والنّاس به أكلف ، والعيون إليه أسرع - لكان كتابنا كتاب مطالبة ، ولم يكن كتاب معاتبة ، ولشغلنا الحلم لك عن الحلم عليك ، والقول لك عن القول فيك .
وقد كنت أهابك بفضل هيبتي لك ، وأجترئ عليك بفضل بسطك لي ، فمنعني حرص الممنوع ، وخوف المشفق ، وأمن الواثق ، وقناعة الراضي .
[ 4 - الجاحظ يطلب النبيذ ويخشى أن يرد طلبه ]
وبعد فمن طلب ما لا يجاد به ، وسأل ما لا يوهب مثله ممّن يجود بكلّ ثمين ، ويهب كلّ خطير ، فواجب أن يكون من الردّ مشفقا ، وبالنّجح موقنا .
وإن كان ، أبقاك اللّه ، أهلا لأن يمنع ، وكنت حفظك اللّه أهلا أن تبذل ، وجب أن تكون باذلا مانعا ، وساكنا مطمئنا ، إلّا أن يكون الحرب سلما سجالا ، والحالات دولا .
ولهذه الخصال ما وقع الطّلب ، وشاع الطمع .
فإن منعت فعذرك مبسوط عند من عرف قدره ، وإن بذلت فلم تعد الذي أنت أهله عند من عرف قدرك ، إلّا أنّه لا يجود بمثله إلّا غنيّ عند جميع الناس ، أو عاقل فوق جميع الناس .
وكيف لا أطلب طلب الجريء المتهوّر ، وأمسك إمساك الهائب الموقّر .
وليس في الأرض خلق يغتفر في وصفه المحال ولا يستحسن الهذيان سواه ؟ !