وموضع أنسك ، ومستنبط لذّتك ، وينبوع سرورك ، ومصباحك في الظّلام ، وشعارك من جميع الأقسام .
وكيف وقد جمع أهبة الجلال ، ورشاقة الخلال ، ووقار البهاء ، وشرف الخير ، وعزّ المجاهرة ولذّة الاختلاس ، وحلاوة الدّبيب .
[ 6 - النبيذ يطرد الهم ويعيد الشباب ]
وسأصف لك شرف النبيذ في نفسه ، وفضيلته على غيره ، ثم أصف فضل شرابك على سائر الأشربة ، كما أصف فضل النّبيذ على سائر الأنبذة ؛ لأنّ النبيذ إذا تمشّى في عظامك ، والتبس بأجزائك ، ودبّ في جنانك ، منحك صدق الحسّ ، وفراغ النفس ، وجعلك رخيّ البال ، خليّ الذّرع ، قليل الشّواغل ، قرير العين ، واسع الصّدر ، فسيح الهمم حسن الظنّ . ثم سدّ عليك أبواب التّهم ، وحسّن دونك الظّنّ وخواطر الفهم ، وكفاك مئونة الحراسة ، وألم الشّفقة ، وخوف الحدثان ، وذلّ الطمع وكدّ الطلب ، وكلّ ما اعترض على السّرور وأفسد اللّذّة ، وقاسم الشهوة ، وأخلّ بالنعمة .
وهو الذي يردّ الشّيوخ في طبائع الشّبان ، ويردّ الشّبّان في نشاط الصّبيان ، وليس يخاف شاربه إلّا مجاوزة السّرور إلى الأشر ، ومجاوزة الأشر إلى البطر .
[ 7 - النبيذ يبعث على الظرف والضحك في كل وقت ]
ولو لم يكن من أياديه ومننه ، ومن جميل آلائه ونعمه ، إلّا أنّك ما دمت تمزجه بروحك ، وتزاوج بينه وبين دمك فقد أعفاك من الجد ونصبه ، وحبّب إليك المزاح والفكاهة ، وبغّض إليك الاستقصاء والمحاولة ، وأزال عنك تعقّد الحشمة وكدّ المروءة ، وصار يومه جمالا لأيّام الفكرة ، وتسهيلا لمعاودة الرّويّة ، لكان في ذلك ما يوجب الشّكر ، ويطيب الذكر . مع أنّ جميع ما