تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨

[ 11 - اهداء النبيذ دليل على المودة والتقدير ]

وهذا الشراب حسن وهو عندك أحسن ، والهديّة منه شريفة وهي منك أشرف . وإن كنت قدّرت أنّي إنّما طلبته منك لأشربه أو لأسقيه ، أو لأهبه ، أو لأتحسّاه في الخلا ، أو أديره في الملا أو لأنافس فيه الأكفاء ، واجترّ زيادة الخلطاء ، أو لأبتذله لعيون النّدماء ، أو أعرّضه لنوائب الأصدقاء فقد أسأت بي الظنّ ، وذهبت من الإساءة بي في كلّ فنّ ، وقصّرت به فهو أشدّ عليك ، ووضعت منه فهو أضرّ بك . وإن ظننت أنّي إنما أريده لأطرف به معشوقة ، أو لأستميل به هوى ملك ، أو لأغسل به أوضار الأفئدة ، أو أداوي به خطايا الأشربة ، أو لأجلو به الأبصار العليلة ، وأصلح به الأبدان الفاسدة ، أو لأتطوّع به على شاعر مفلق أو خطيب مصقع ، أو أديب مدقع ، ليفتق لهم المعاني ، وليخرج المذاهب ، ولما في جانبهم من الأجر ، وفي أعناقهم من الشكر ، ولينفضوا ما قالت الشعراء في الحمد ، وليرتجعوا ما شاع لهم من الذّكر ؛ فإنّي أريد أن أضع من قدرها ، وإن أكسر من بالها ، فقد تاهت وتيه بها . أو لأن أتفاءل برؤيته وأتبرّك بمكانه ، وآنس بقربه ، أو لأشفي به الظماء ، أو أجعله إكسير أصحاب الكيمياء ، أو لأن أذكرك كلّما رأيته ، وأداعبك كلّما قابلته أو لأجتلب به اليسر وأنفي العسر . ولأنّه والفقر لا يجتمعان في دار ، ولا يقيمان في ربع . ولأتعرّف به حسن اختيارك ، وأتذكّر به جودة اجتبائك . أو لأن أستدلّ به على خالص حبّك ، وعلى معرفتك بفضلي ، وقيامك بواجب حقّي - فقد أحسنت بي الظنّ ، وذكرت من الإحسان في كلّ فن . بل هو الذي أصونه صيانة الأعراض ، وأغار عليه غيرة الأزواج .