تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وأوّل ما يثنى عليه به ، ويذكر منه ، أنّه كريم الجوهر ، شريف النّفس ، رفيع القدر ، بعيد الهم ، وكذلك طبيعته المعروفة وسجيّته الموصوفة . وأنّه يسرّ النفوس ويحبّب إليها الجود ، ويزيّن لها الإحسان ، ويرغّبها في التوسّع ، ويورثها الغنى ، وينفي عنها الفقر ، ويملؤها عزّا ، ويعدها خيرا ، ويحسّن المسارّة ، ويصير به النّبت خصبا والجناب مريعا ، ومأهولا معشبا .

[ 9 - النبيذ يجمع الندماء ويرفق بالسكارى ]

وليس شيء من المأكول والمشروب أجمع للظّرفاء ، ولا أشدّ تألّفا للأدباء ، ولا أجلب للمؤنسين ، ولا أدعى إلى خلاف الممتعين ، ولا أجدر أن يستدام به حديثهم ويخرج مكنونهم ، ويطول به مجلسهم ، منه . وإنّ كلّ شراب كان حلا ورقّ ، وصفا ودقّ ، وطاب وعذب ، وبرد ونقخ ، فإنّ استطابتك لأوّل جرعة منه أكثر ، ويكون من طبائعك أوقع . ثم لا يزال في نقصان إلى أن يعود مكروها وبليّة ، إلا النبيذ ، فإنّ القدح الثاني أسهل من الأوّل ، والثالث أيسر ، والرابع ألذّ ، والخامس أسلس ، والسادس أطرب ، إلى أن يسلمك إلى النّوم الذي هو حياتك ، أو أحد أقواتك . ولا خير فيه إذا كان إسكاره تغلّبا ، وأخذه بالرأس تعسّفا ، حتّى يميت الحسّ بحدّته ، ويصرع الشارب بسورته ، ويورث البهر بكظّته ، ولا يسري في العروق لغلظه ، ولا يجري في البدن لركوده ، ولا يدخل في العمق ولا يدخل الصّميم . ولا واللّه حتّى يغازل العقل ويعارضه ، ويدغدغه ويخادعه ، فيسرّه ثمّ يهزّه ، فإذا امتلأ سرورا وعاد ملكا محبورا ، خاتله السّكر وراوغه ، وداراه وماكره ، وهازله وغانجه . وليس كما يغتصب السّكر ، ويعتسف الداذيّ ، ويفترس الزّبيب ؛ ولكن بالتفتير والغمز ، والحيلة والختل ، وتحبيب النوم ،
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 266 | الجاحظ / علي أبو ملحم