تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
ما رسمت لنا الأوائل في كتبها ، وخلّدت من عجيب حكمها ، ودوّنت من أنواع سيرها ؛ حتّى شاهدنا بها ما غاب عنا ، وفتحنا بها المستغلق علينا ، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم ، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلّا بهم - لقد خسّ حظّنا في الحكمة ، وانقطع سببنا من المعرفة ، وقصرت الهمّة ، وضعفت النيّة ، فاعتقم الرّأي وماتت الخواطر ، ونبا العقل .

[ 5 - يجب على العالم اظهار ما عنده ]

وأكثر كتبهم نفعا ، وأحسن ما تكلّموا به موقعا ، كتب اللّه التي فيها الهدى والرحمة ، والإخبار عن كلّ عبرة ، وتعريف كلّ سيّئة وحسنة . فينبغي أن يكون سبيلنا فيمن بعدنا كسبيل من قبلنا فينا . على أنّا قد وجدنا من العبرة أكثر ممّا وجدوا ، كما أنّ من بعدنا يجد من العبرة أكثر مما وجدنا . فما ينتظر العالم بإظهار ما عنده ، والنّاشر للحقّ من القيام بما يلزمه . فقد أمكن القول وصلح الدهر ، وخوى نجم التّقيّة ، وهبّت ريح العلماء ، وكسد الجهل والعيّ وقامت سوق العلم والبيان . وهذا الكتاب - أرشدك اللّه - وإن حسن في عيني ، وحلا في صدري ، فلست آمن أن يعتريني فيه من الغلط ما يعتري الأب في ابنه ، والشّاعر في قريضه .

[ 6 - غرض الجاحظ من هذه الرسالة مساعدة القاضي وثوابه ]

والذي دعاني إلى وضعه مع إشفاقي منه ، وهيبتي لتصفّحك له ، أنّي حين علمت أنّ الغالب على إرادتك ، والمستولى على مذهبك ، تقريب العالم وإقصاء الجاهل ، وأنّك متى قرأت كتابا أو سمعت كلاما ، كنت من وراء ما