عنه ، في ترك الحيطة له ، والقيام بكلّ ما احتمله قوله . كما أنّه لا عذر له في التقصير عن فساد كلّ قول خالف عليه ، وضادّ مذهبه ، عند من قرأ كتابه وتفهّم إدخاله ، لأنّ أقلّ ما يزيل عذره ويزيح علّته ، أنّ قول خصمه قد استهدف لخصمه ، وأصحر للسانه ومكّنه من نفسه ، وسلّطه على إظهار عورته . فإذا استراح واضع الكتاب من شغب خصمه ومداراة جليسه ، فلم يبق إلّا أن يقوى على كسر الباطل أو يعجز عنه .
ومن شكر المعرفة بمغاوي الناس ومراشدهم ، ومضارّهم ومنافعهم ، أن تحتمل ثقل مئونتهم في تعريفهم ، وأن تتوخّى إرشادهم ، وإن جهلوا فضل ما يسدى إليهم .
[ 4 - الكتاب أفضل من صاحبه ]
ولم يصن العلم بمثل بذله ، ولم يستبق بمثل نشره . على أنّ قراءة الكتب أبلغ في إرشادهم من تلاقيهم ، إذ كان مع التلاقي يكثر التّظالم ، وتفرط النّصرة ، وتشتدّ الحميّة . وعند المواجهة يفرط حبّ الغلبة ، وشهوة المباهاة والرّئاسة ، مع الاستحياء من الرجوع ، والأنفة من الخضوع . وعن جميع ذلك تحدث الضّغائن ، ويظهر التّباين . وإذا كانت القلوب على هذه الصّفة وهذه الحلية ، امتنعت من المعرفة ، وعميت عن الدّلالة .
وليست في الكتب علّة تمنع من درك البغية ، وإصابة الحجّة ؛ لأنّ المتوحّد بقراءتها ، والمتفرّد بفهم معانيها ، لا يباهي نفسه ، ولا يغالب عقله .
والكتاب قد يفضل صاحبه ، ويرجح على واضعه بأمور :
منها أنّه يوجد مع كل زمان على تفاوت الأعصار ، وبعد ما بين الأمصار . وذلك أمر يستحيل في واضع الكتاب ، والمنازع بالمسألة والجواب . وقد يذهب العالم وتبقى كتبه ، ويفنى المعقّب ويبقى أثره . ولولا