قالت : يا بنيّة ، أرى شبابك ، وما أنعم اللّه عليك به من هذا الجمال ، وليس يتمّ أمر المرأة إلّا بالزّوج ، وأراك أيّما لا زوج لك . قالت : فلا يغمّك اللّه ، قد خطبني غير واحد وقد عزمت على تزويج بعضهم . قالت : فاذكري لي من خطبك . قالت : فلان . قالت شريف ، ومن ؟ قالت : فلان . قالت :
شريف ، فما يمنعك منه ؟ قالت : وفلان - لصاحبها - قالت : أفّ أفّ ، لا تريدينه . قالت : وماله أليس هو شريفا كثير المال ؟ قالت : بلى ، ولكن فيه خصلة أكرهها لك . قالت : وما هي ؟ قالت : دعى عنك ذكرها . قالت :
أخبريني على كلّ حال . قالت : رأيته يبول يوما فرأيت بين رجليه رجلا ثالثة .
وخرجت من عندها فأتته ، فقالت : أعد إليها رسولك . وأتاها الرجل الذي كانت أجابته - بعد مجيء الرسول - فردته وبعثت إلى صاحب المرأة : أن اغد بأصحابك . فتزوّجها فلما بنى بها إذا معه مثل الزّرّ ، فلمّا أتتها العجوز فقالت : بكم بعتني يا لخناء ؟ قالت : بألف درهم . قالت : لا أكلتها إلّا في المرض ! 19 - قال : كان هشام بن عبد الملك يقبض الثّياب من عظم أيره ، فكتب إلى عامله على المدينة : « أمّا بعد فاشتر لي عكاك النّيك » . قال :
وكان له كاتب مدينيّ ظريف ، فقال له : ويحك ، ما عكاك النّيك ؟ قال :
الوصائف . فوجّه إلى النّخّاسين فسألهم عن ذلك . فقالوا : عكاك النّيك الوصائف البيض الطوال . فاشترى منهنّ حاجته ، ووجّه بهنّ إليه .
قال : وكانت بالمدينة امرأة جميلة وضيّة ، فخطبها جماعة وكانت لا ترضى أحدا ، وكانت أمّها تقول : لا أزوجها إلّا من ترضاه . فخطبها شابّ جميل الوجه ذو مال وشرف . فذكرته لابنتها وذكرت حاله وقالت : يا بنيّة إن لم تزوجي هذا فمن تزوّجين ؟ قالت : يا أمّه : هو ما تقولين ، ولكنّي بلغني عنه شيء لا أقدر عليه . قالت : يا بنيّتي لا تحتشمين من أمّك ، اذكري كلّ
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 191
مساهمون: الجاحظ
ص١٩١