الحلم ، إلّا بعد طول تجرّع للغيظ ، ومقاساة للصّبر . وقد كان معنى القلب دهره ، ومكدود النّفس عمره ، والحرب سجال بينه وبين الحلم ، ودول بينه وبين الكظم . فلمّا انقادت له العشيرة ، وسمحت له بالطّاعة ، ووثق بظهور القدرة خلاف المعجزة سهل عليه الصّبر ، وغمر بعلوّه دواعي الجزع ، بطلت المجاذبة ، وذهبت المساجلة .
والذي كان دعاه إلى تكلّف الحلم في بدء أمره وإلى احتمال المكروه في أوّل شأنه ، الأمل في الرّئاسة ، والطّمع في السيادة ، ثمّ لم يتمّ له أمره ، ولم يستحكم له عقده إلّا بعد ثلاثة أشياء : الاحتمال ، ثم الاعتياد ، ثم ظهور طاعة الرّجال .
ولولا خوف جميع المظلومين من أن يظنّ بهم العجز ، والا يوجه احتمالهم إلى الذل لزاحم السادة في الحلم رجال ليسوا في أنفسهم بدونهم ، ولغمرهم بعض من ليس معه من أسبابهم .
[ 4 - صفات النبيل ]
فصل منه : ولا يكون المرء نبيلا حتى يكون نبيل الرّأي ، نبيل اللّفظ ، نبيل العقل ، نبيل الخلق ، نبيل المنظر ، بعيد المذهب في التنزّه ، طاهر الثّوب من الفحش ، إن وافق ذلك عرقا صالحا ، ومجدا تالدا .
فالخارجيّ قد يتنبت بنفسه ، والنّابتيّ قد يخرج بطبعه . ولكلّ عزّ أول ، وأوّل كلّ قديم حادث .
ومن حقوق النّبل أن تتواضع لمن هو دونك ، وتنصف من هو مثلك ، وتتنبّل على من هو فوقك .
[ 5 - الكبر قبيح في الانسان ]
فصل منه : وكان بعض الأشراف في زمان الأحنف ، لا يحتقر أحدا ،