تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
عنهم كرما ، ولا الإمساك عن ذمّهم صمتا . واعلم أنّ حمل الغنى أشدّ من حمل الفقر ، واحتمال الفقر أهون من احتمال الذّل على أنّ الرضا بالفقر قناعة وعزّ ، واحتمال الذّلّ نذالة وسخف . ولئن كانوا قد أفرطوا في لوم العشيرة ، والتكبّر على ذوي الحرمة ، لقد أفرطت في سوء الاختيار ، وفي طول مقامك على العار . وأنت مع شدّة عجبك بنفسك ، ورضاك عن عقلك ، خالطت من موته يضحك السّنّ ، وحياته تورث الحزن ، وتشاغلك به من أعظم الغبن . وشكوت تنبّلهم عليك ، واستصغارهم لك ، وأنّك أكثر منهم في المحصول ، وفي حقائق المعقول . ولو كنت كما تقول لما أقمت على الذّلّ ولما تجرّعت الصّبر وأنت بمندوحة منهم ، وبنجوة عنهم . ولعارضتهم من الكبر بما يهضّهم ، ومن الامتعاض بما يبهرهم . وقلت : ولو كانوا من أهل النّبل عند الموازنة ، أو كان معهم ما يغلط النّاس فيه عند المقايسة لعذرتهم واحتججت عنهم ، ولسترت عيبهم ، ولرقعت وهيهم . ولكنّ أمرهم مكشوف ، وظاهرهم معروف . وإن كان أمرهم كما قلت ، وشأنهم كما وصفت ، فذاك ألوم لك ، وأثبت للحجّة عليك . وسأؤخّر عذلك إلى الفراغ منهم ، وتوقيفك بعد التّنويه بهم .

[ 2 - شروط النبل ]

أقول : وإن كان النّبل بالتنبل ، واستحقاق العظم بالتّعظّم وبقلّة النّدم والاعتذار ، وبالتّهاون بالإقرار ، فكلّ من كان أقلّ حياء ، وأتمّ قحة ، وأشدّ تصلّفا ، وأضعف عدّة ، أحقّ بالنّبل وأولى بالعذر .