تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
يطلب من الطّوائل إلّا ما لا خطار فيه ولا يتكبّر إلّا حيث لا ترجع مضرّته عليه ، ولا يقفو التّقيّة ولا المروءة ، ولا يعمل على حقيقته . ومن اختار أن يبغي تبدّى ، ومن أراد أن يسمع قوله ساء خلقه ، إذ كان لا يحفل ببغض النّاس له ووحشة قلوبهم منه ، واحتيالهم في مباعدته ، وقلّة ملابسته . وليس يأمن اللّئيم على إتيان جميع ما اشتمل عليه اسم اللّؤم إلّا حاسد . فإذا رأيته يعقّ أباه ، ويحسد أخاه ، ويظلم الضّعيف ، ويستخفّ بالأديب ، فلا تبعده من الخيانة ، إذ كانت الخيانة لؤما ولا من الكذب ، إذ كان الكذب لؤما ، ولا من النّميمة ، إذ كانت النّميمة لؤما ، ولا تأمنه على الكفر فإنّه ألأم اللّؤم ، وأقبح الغدر . ومن رأيته منصرفا عن بعض اللّؤم ، وتاركا لبعض القبيح ، فإيّاك أن توجّه ذلك منه على التجنّب له ، والرّغبة عنه ، والإيثار لخلافه ، ولكن على أنّه لا يشتهيه أو لا يقدر عليه ، أو يخاف من مرارة العاقبة أمرا يعفي على حلاوة العاجل ، لأنّ اللّؤم كلّه أصل واحد وإن تفرّقت فروعه ، وجنس واحد وإن اختلفت صوره ، والفعل محمول على غلبته ، تابع لسمته . والشّكل ذاهب على شكله ، منقطع إلى أصله ، صائر إليه وإن أبطأ عنه ، ونازع إليه وإن حيل دونه . وكذلك تناسب الكرم وحنين بعضه لبعض .

[ 8 - عواقب الكبر ]

ولم تر العيون ، ولا سمعت الآذان ، ولا توهّمت العقول عملا اجتباه ذو عقل ، أو اختاره ذو علم ، بأوبأ مغبّة ، ولا أنكد عاقبة ، ولا أوخم مرعى ، ولا أبعد مهوى ، ولا أضرّ على دين ، ولا أفسد لعرض ، ولا أوجب لسخط