تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
السّرور والكرامة عندما دخلوها وبوّأها لهم فقال :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ . وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ . لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ
. فما أنزلهم دار كرامته إلّا بعد ما نزع الغلّ والحسد من قلوبهم ، فتهنّوا بالجنّة ، وقابلوا إخوانهم على السّرر ، وتلذّذوا بالنظر في مقابلة الوجوه لسلامة صدورهم . ونزع الغلّ من قلوبهم . ولو لم ينزع ذلك من صدورهم ويخرجه من قلوبهم ، لافتقدوا لذاذة الجنّة ، وتدابروا وتقاطعوا وتحاسدوا ، وواقعوا الخطيئة ، ولمسّهم فيها النّصب ، وأعقبوا منها الخروج ، لأنّه عزّ وجلّ فضّل بينهم في المنازل ، ورفع درجات بعضهم فوق بعض في الكرامات ، وسنيّ العطيات . قلّما نزع الغلّ والحسد من قلوبهم ظنّ أدناهم منزلة فيها ، وأقربهم بدخول الجنّة عهدا ، أنّه أفضلهم منزلة ، وأكرمهم درجة ، وأوسعهم دارا بسلامة قلبه ، ونزع الغلّ من صدره ، فقرّت عينه وطاب أكله . ولو كان غير ذلك لصاروا إلى التنغيص في النظر بالعيون ، والاهتمام بالقلوب ، ولحدثت العيوب والذّنوب .

[ 11 - السلامة في الابتعاد عن الحسود ]

وما أرى السّلامة إلّا في قطع الحاسد ، ولا السّرور إلّا في افتقاد وجهه ، ولا الرّاحة إلّا في صرم مداراته . ولا الرّبح إلّا في ترك مصافاته . فإذا فعلت ذلك فكل هنيّا مريّا ، [ ونم رضيّا ] ، وعش في السّرور مليّا .