تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
أتطلب ويحك أثرا بعد عين ، أو عطرا بعد عروس ، أو تريد أن تجتني عنبا من شوك ، أو تلتمس حلب لبن من حائل . إنّك إذا أعيا من بأقل ، وأحمق من الضبع ، وأغفل من هرم . إن كنت تجهل بعد ما أعلمناك ، وتعوجّ بعد ما قوّمناك ، وتبلّد بعد ما ثقّفناك ، وتضلّ إذ هديناك ، وتنسى إذ ذكّرناك ، فأنت كمن أضلّه اللّه على علم فبطلت عنده المواعظ ، وعمي عن المنافع ، فختم على سمعه وقلبه ، وجعل على بصره غشاوة . فنعوذ باللّه من الخذلان . إنّه لا يأتيك ولكن يناديك ولا يحاكيك ولكن يوازيك . أحسن ما تكون عنده حالا [ أقلّ ما تكون مالا ، وأكثر ما تكون عيالا ، [ وأعظم ] ما تكون ضلالا . وأفرح ما يكون بك أقرب ما تكون بالمصيبة عهدا ، وأبعد ما تكون من الناس حمدا . فإذا كان الأمر على هذا فمجاورة الموتى ، ومخالطة الزّمنى ، والاجتنان بالجدران ، ومصر المصران ، وأكل القردان ، أهون من معاشرته ، والاتّصال بحبله . والغلّ نتيج الحسد ، وهو رضيعه ، وغصن من أغصانه ، وعون من أعوانه ، وشعبة من شعبه ، وفعل من أفعاله ، كما أنّه ليس فرع إلّا له أصل ، ولا مولود إلّا له مولد ، ولا نبات إلّا من أرض ، ولا رضيع إلّا من مرضع ، وإن تغيّر اسمه ، فإنّه صفة من صفاته ، ونبت من نباته ، ونعت من نعوته .

[ 10 - الجنة حيث لا حسد ]

ورأيت اللّه جل جلاله ذكر الجنّة في كتابه فحلّاها بأحسن حلية ، وزيّنها بأحسن زينة ، وجعلها دار أوليائه ومحلّ أنبيائه ، ففيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . فذكر في كتابه ما منّ به عليهم من