المقلّدة ، والأيمان المغلّظة ، إنّهم له لحافظون ، وهو شقيقهم وبضعة منهم .
فخالفوا العهود ووثبوا عليه بالظلم والقوة ، وألقوه في غيابة الجبّ ، وجاءوا على قميصه بدم كذب ، فبظلمهم يوسف ظلموا أباهم ، طمعا أن يخلو لهم وجه أبيهم وينفردوا بحبه ، وظنوا أن الأيام تسليه ، وحبه لهم من بعد غمه يلهيه ، فاسألوا عبرته واحرقوا قلبه . وكيف تقر أعين المحسودين بعد يوسف وقد ملكه اللّه خزائن الأرض بصبره على اذى حساده ومقابلته إياهم بالعفو والمكافأة وحسن العشرة والمؤاخاة ، بعد امكانه منهم كما اتوه محتارين رفدهم عليه خائفين وهم له منكرون ، فأحسن رفدهم ، وأكرم قراهم ، فاقروا له لما عرفوه بالاذعان ، وسألوه بعد ذلك الغفران ، وخروا له سجدا لما وردوا عليه وفدا .
[ 8 - معاملة الصديق الحسود ]
فإذا أحسست - رحمك اللّه - من صديقك بالحسد فأقلل ما استطعت من مخالطته ، فإنّه أعون الأشياء لك على مسالمته . وحصّن سرّك منه تسلم من شرّه وعوائق ضرّه . وإيّاك والرغبة في مشاورته ، ولا يغرنّك خدع ملقه ، وبيان ذلقه ، فإنّ ذلك من حبائل نفاقه .
فإن أردت أن تعرف آية مصداقه فأدنين إليه من يهينك عنده ، ويذمّك بحضرته ، فإنّه سيظهر من شأنه لك ما أنت به جاهل ، ومن خلاف المودّة ما أنت عنه غافل . وهو ألحّ في حسده لك من الذّباب ، وأسرع في تهريقك من السّيل إلى الحدور .
وما أحبّ أن تكون عن حاسدك غبيّا ، وعن وهمك بما في ضميره نسيّا . إلّا أن تكون للذلّ محتملا ، وعلى الدناءة مشتملا ، ولأخلاق الكرام مجانبا ، وعن محمود شيمهم ذاهبا ، أو تكون بك إليه حاجة قد صيّرتك لسهام الرّماة هدفا ، وعرضك لمن أراد غرضا .
وقد قيل على وجه الدّهر : « الحرّة تجوع ولا تأكل بثدييها » .