وربّما كان الحسود للمصطنع إليه المعروف أكفر له وأشدّ احتقادا ، وأكثر تصغيرا له من أعدائه .
[ 9 - لا خير يرتجى من الحسود ]
فصل منه : ومتى رأيت حاسدا يصوّب لك رأيا إن كنت مصيبا ، أو يرشدك إلى صواب إن كنت مخطئا ، أو أفصح لك بالخير في غيبته عنك أو قصّر من غيبته لك ؟
فهو الكلب الكلب ، والنّمر النّمر والسّمّ القشب ، والفحل القطم ، والسّيل العرم . إن ملك قتل وسبى ، وإن ملك عصى وبغى ، حياتك موته ، وموتك عرسه وسروره . يصدّق عليك كلّ شاهد زور ، ويكذّب فيك كلّ عدل مرضيّ . لا يحبّ من النّاس إلّا من يبغضك ، ولا يبغض إلّا من يحبّك .
عدوّك بطانة وصديقك علانية .
وقلت : إنّك ربّما غلطت في أمره لما يظهر لك من برّه . ولو كنت تعرف الجليل من الرأي ، والدقيق من المعنى ، وكنت في مذاهبك فطنا نقابا ، ولم تك في عيب من ظهر لك عيبه مرتابا ، لاستغنيت بالرّمز عن الإشارة ، وبالإشارة عن الكلام ، وبالسّرّ عن الجهر ، وبالخفض عن الرفع ، وبالاختصار عن التطويل ، وبالجمل عن التفصيل ، وأرحتنا من طلب التحصيل ولكني أخاف عليك أنّ قلبك لصديقك غير مستقيم ، وأن ضمير قلبك له غير سليم ، وإن رفعت القذى عن لحيته ، وسوّيت عليه ثوبه فوق مركبه ، وقبّلت صبيّه بحضرته ، ولبست له ثوب الاستكانة عند رؤيته ، واغتفرت له الزّلّة ، واستحسنت كلّ ما يقبح من جهته ، وصدّقته على كذبه ، وأعنته على فجزته .
فما هذا العناء ! كأنّك لم تقرأ المعوّذة ، ولم تسمع مخاطبته نبيّه صلى اللّه عليه وسلم ، في التّقدمة إليه بالاستعاذة من شرّ حاسد إذا حسد .