تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
هاشم ، فما اتّسع قلبه لكتمانه ، ولا صبر على اكتتامه ، لمّا طالت في قلبه طائلته أظهره وأعلنه ، مع صبره على المكاره ، وحمله نفسه على حتفها ، وقلة اكتراثه والتفاته لأحجار المجانيق التي [ كانت ] تمرّ عليه فتذهب بطائفة من قومه ما يلتفت إليها . حدّثت بذلك عن عليّ بن مسهر عن الأعمش ، عن صالح بن حبّاب ، عن سعيد بن جبير قال : قدت ابن عباس حتّى أدخلته على ابن الزّبير ، قال : أنت الذي تؤنّبني ؟ قال : نعم ، لأنّي سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ليس بمؤمن من بات شبعانا وجاره طاو » . فقال له ابن الزّبير : لمن قلت ذلك ؟ إنّي لأكتم بغضكم أهل البيت مذ أربعين سنة . فحسر ابن عباس عن ذراعيه كأنّهما عسيبا نخل ، ثم قال لابن الزبير : نعم فليبلغ ذاك منك ، ما عرفتك . ولقد أجلت الرأي ظهرا لبطن وفكرّت في جوابه لابن عباس أن أجد له معنى سوى الحسد فلم أجده ، وكانت وخزة في قلبه فلم يبدها . وفروع بني هاشم حول الحرم باسقة ، وعروق دوحاتهم بين أطباقها راسية ، ومجالسهم من أعاليها عامرة ، وبحورها بأرزاق العباد زاخرة ، وأنجمها بالهدى زاهرة . فلمّا خلت البطحاء من صناديدها استقبله بما أكنّ في نفسه . والحاسد لا يغفل عن فرصته إلى أن يأتي الموت على رمّته ، وما استقبل ابن عبّاس بذلك إلّا لمّا رأى عمر قدّمه على أهل القدم ، ونظر إليه وقد أطاف به أهل الحرم ، فأوسعهم حكما ، وثقبوا منه رأيا وفهما ، وأشبعهم علما وحلما . فصل منه : وكيف يصبر من استكنّ الحسد في قلبه على أمانيه . ولقد كان اخوة يوسف حلماء ، وأجلّة علماء ، ولدهم الأنبياء ، فلم يغفلوا عمّا قدم في قلوبهم من الحسد ليوسف ، حتّى أعطوا أباهم المواثيق المؤكّدة ، والعهود