ذوي العقول مرحوما ، وكان لديهم في القياس مظلوما . [ وقد قال بعض الأعراب : ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحساد : نفس دائم ، وقلب هائم ، وحزن لازم ] والحاسد مخذول وموزور ، والمحسود محبوب ومنصور .
والحاسد مغموم ومهجور ، والمحسود مغشيّ ومزور .
والحسد - رحمك اللّه - أول خطيئة ظهرت في السّماوات ، وأوّل معصية حدثت في الأرض ، خصّ به أفضل الملائكة فعصى ربّه ، وقايسه في خلقه ، واستكبر عليه فقال :
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *
، فلعنه وجعله إبليسا ، وأنزله من جواره بعد أن كان أنيسا ، وشوّه خلقه تشويها ، وموّه على نبيّه تمويها نسي به عزم ربّه ، فواقع الخطيئة ، فارتدع المحسود وتاب عليه وهدى ، ومضى اللعين الحاسد في حسده فشقي وغوى .
وأما في الأرض فابنا آدم حيث قتل أحدهما أخاه ، فعصى ربّه وأثكل أباه . وبالحسد طوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين .
لقد حمله الحسد على غاية القسوة ، وبلغ [ به ] أقصى حدود العقوق ، فأنساه من رحمه جميع الحقوق ، إذ ألقى الحجر عليه شادخا وأصبح عليه نادما صارخا .
[ 5 - رأي الحاسد في المحسود ]
ومن شأن الحاسد إن كان المحسود غنيّا أن يوبّخه على المال فيقول :
جمعه حراما ومنعه أثاما . وألّب عليه محاويج أقاربه فتركهم له خصماء ، وأعانهم في الباطن وحمل المحسود على قطيعتهم في الظاهر وقال له : لقد كفروا معروفك ، وأظهروا في الناس ذمّك ، فليس أمثالهم يوصلون ، فإنهم لا يشكرون . وإن وجد له خصما اعانه عليه ظلما ، وإن كان ممن يعاشره فاستشاره غشّه ، أو تفضّل عليه بمعروف كفره ، أو دعاه إلى نصر خذله ، إن