عبد مؤمن فليلهمه اللّه ( عزّ وجلّ ) الدعاء إلا كان كشف ذلك البلاء وشيكا « 1 » وما من بلاء ينزل على عبد مؤمن فيمسك عن الدعاء ، إلا كان ذلك البلاء طويلا ، فإذا نزل البلاء فعليكم بالدعاء والتضرع إلى اللّه ( عزّ وجلّ ) .
وحيث عرفت سابقا اتحاد نفوس المؤمنين وأنه ينبغي أن ينزل كل واحد منهم الآخر منزلة نفسه فيما يرد عليه من اللأواء والبؤس فيشرك معه في همه ويجعل دفعه ورفعه من مهمه فالسيئة التي رآها آخره في منامه كأنه الذي ابتلى بسوء عاقبتها فيدعو له كما يدعو لنفسه ولأعزّ أحبته ، ثم يأمره ثانيا بالاستغفار والارتداع عما لعله أوقعه في هذا المضمار ثم يهديه ثالثا إلى الأوراد والدعوات والأعمال التي ذكرناها في الفصل السادس لدفع الرؤيا المكروهة ويأمره بالتصدق الذي هو الترياق الأعظم لأمثال ذلك من أمراض بني آدم ، ومع ذلك يورى في تعبيره بما يستر عليه شرّ ما رآه ، ولا يذكر له حقيقة ما عرفه من رؤياه ويطيب خاطره بأنّه لعله من نجوى الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا ، وأنه مما فعل اللّه به عقوبة وكفارة لبعض ذنوبه فينبغي أن يسرّ به أكثر مما يظن به خيرا لأنه تعالى أكرم من أن يعاقب على ذنب مرتين أو تخويفا من سياط غضبه فيعز إليه ويتضرع ويتجافى عن الملهيات فيصير بذلك من أجل ما قرب إلى الطاعات وأبعد الإنسان عن اقتحام الموبقات .
والحاصل أنه بما ذكرنا وأمثاله يرتدعه عن التوجه إلى سيئة رؤياه ويشغله عن ترقب نزول البلاء مع تحريكه إلى الأعمال الخاصة ببيان لا يزيده الحزن والكآبة ، هذا ولا يخفى عليك أن المعبر الكامل في العلم والعمل كالمؤمن كذلك أعزّ من الكبريت الأحمر ، وإنما يوجد في الناس ما دار في الألسنة مما أخذ أغلبه مما لفّقه رؤساء الضلالة كجملة أخرى من العلوم التي لم يبق لها إلا الرسوم .
هامش
( 1 ) أي سريعا .