الشمس إلى الأجسام بمعنى سيكون سببا لحدوثه إذ خلقت الأشياء موجودة وجودا فائضا بأمثاله ، والقوة المتخيلة منطبعة في الجسم الحار فيتأثر به تأثيرا يليق بطبعها ، لأن كل شيء قابل بتأثر من شيء ، فإنما يتأثر منه بشيء يناسب جوهر هذا القابل وطبعه ، فالمتخيلة ليست بجسم حتى تقبل نفس الحرارة فتقبل من الحرارة ما في طبعها القبول وهو صورة الحار ، فهذا هو السبب فيه ، ثم قال : والاتصال بالجواهر الروحانية كما يكون في المنام فكذلك قد يكون بأسباب أخر مثل صفاء النفس بسبب أصل الفطرة ، ومثل انزعاج النفس وانزجارها عن هذا العالم بسبب ما يكدرها وينغص عيشها الدنياوي من المؤلمات والمنفرات ، فيتوجه إلى عالمها هربا من هذه الأمور الموحشة ، فيرتفع الحجاب بينها وبين عالمها ومثل الرياضات العلمية والعملية التي توجب المكاشفات الصورية والمعنوية ، أي ظهور الحوادث والحقائق ، ومثل الموت الإرادي الذي يكون للأولياء ، ومثل الموت الطبيعي الذي يوجب كشف الغطاء للجميع ، سواء كانوا سعداء أو أشقياء ، ومثل ما لو غلب على المزاج اليبوسة والحرارة وقل الروح البخاري حتى صرفت النفس لغلبة السوداء وقلة الروح عن موارد الحواس ، فيكون مع فتح العين وسائر أبواب الحواس كالمبهوت الغافل الغائب عما يرى ويسمع ، وذلك لضعف خروج الروح إلى الظاهر ، فهذا أيضا لا يستحيل أن ينكشف لنفسه من الجواهر الروحانية شيء من الغيب فيحدث به ويجري على لسانه ، فكأنه أيضا غافل عما يحدث به ، وهذا يوجد في بعض المجانين والمصروعين وبعض الكهنة ، فيحدثون بما يكون موافقا لما سيكون .
ثم ما تتلقاه النفس في اليقظة على وجهين : فإن كانت النفس قوية وافية بضبط الجوانب لا تشغلها المشاعر السفلية عن المدارك العالية وتكون متخيلتها قوية على استخلاص الحس المشترك عن مشاهدة الظواهر إلى مشاهدة ما يريها في الباطن فلا يبعد أن يقع لها ما يقع للنائم من غير تفاوت فمنه ما هو وحي صريح لا يفتقر إلى التأويل ، ومنه ما ليس كذلك فيفتقر إليه ، أو يكون شبيها بالمنامات التي هي أضغاث أحلام إن أمعنت المتخيلة في الانتقال والمحاكاة ، وإن لم يكن كذلك فلا يخلو إما أن يستعين بما يقع للحس دهشة وللخيال حيرة
دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام — صفحة 259
مساهمون: ميرزا حسين النوري الطبرسي
ص٢٥٩