يكون له علم بطرق الدفع والجلب وآلاتهما أو لا ، وعلى الأول فإما أن يتمكن من الأسباب ويجد السبيل إليها أولا ، وكذا الجاهل قد يتمكن منها وإن لم يعلم بسببيتها وإمكان الوصول منها إليهما ، أما غير العالم المتمكن فلا مناص له إلا تفويض تدبير أموره إلى اللّه العالم بمصالحها ومفاسدها القادر على تقريب بعيدها وتبعيد قريبها ، وكذا العالم الغير المتمكن والجاهل العاجز ، وأما العالم المتمكن بقليل منها في قليل من الأوقات وهم أقلّ قليل بين الناس فهو بعد تحمل مشاق أعمال الأسباب وترتيب المقدمات وصرف شطر من العمر فيها وفي رفع موانعها ودفع مفاسدها والسلامة من أخطارها وتبعاتها ومشاهدة التخلّف في كثير من مواردها وعدم إمكان الاطلاع على جميع آفاتها ، لا ينتفع منها إلا بمقدار ما توهم من الثمرة فيها ، ولو جعله تعالى وليّ أمره ، ووكّله في كل ما يرجع إليه وقطع النظر عن جميع الأسباب ورآها فيما يستند إليها أكذب من سراب لسلم من أخطارها ، واقتطف من أحسن وأكمل وأبدع نتائجها وأثمارها ، لا كما زعمه البطالون في معناه من الأعراض عن الأسباب بل جعل نفسه بعد صدق التوكيل والتفويض بمنزلة الوكيل والمأذون عنه تعالى يتمسك منها تعبدا من غير وثوق واعتماد على تأثيرها بمقدار ما أمر به ويعرض عنها ما نهى عنه وينتظر بقلبه ما يختاره تعالى له من الخيرات والبركات من أبوابها التي تنزلها عليه منها ، فقد تصادف ما تمسك به منها ، وقد يفتح عليه غيرها ، فكل مورد أمر بالاقتحام فيه لا بدّ وأن يعلم أنه خال عن الشر الذي توهمه فيه ، إذ الوكيل الثقة الخبير من البشر لا يخون موكله ، ولا يفعل به إلا ما فيه صلاحه ، فكيف بمقدس جنابه تعالى إذا صار وكيلا عن عبد ضعيف لا يملك نفعا ولا ضرا ، فإذا لا يكون للشيطان في فعل المتوكل حظّ ونصيب قال تعالى :
وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
وقال يعقوب :
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ
، وقال تعالى :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
.
وفي الخصال عن الصادق ( ع ) قال : قال إبليس : خمسة ليس لي فيهن