فلما سمع العابد مقالته تفكر ساعة وقال : ان شاء اللّه أوصل إليك حقتك غدا بعد الظهر عند دكان الشيخ العطار ، ولما صار الغد واجتمع أهل السوق عند الدكان سأل العابد ان يوليه الوعظ في هذا اليوم فقبل ، فقال : أيها الناس أنا فلان بن فلان ولي خوف شديد من حقوق الناس وزهد عن الدينار والدرهم بتوفيق اللّه تعالى وقناعة وعزلة ، ومع ذلك قد سنح لي أمر عظيم أخوفكم به من العذاب الأليم ، وشدة النار والحميم وأخبركم عن بعض ما يأتي في يوم الجزاء : اعلموا اني استقرضت للحاجة قبل ذلك بمدة عن بعض اليهود مائة دينار بحساب العجم هي عشر القران الموجود ، واشترطت ان أوفيها في ظرف عشرين يوم كل يوم نصف عشرها ، فأوفيت قسط عشرة أيام من ثمن الحطب ، ثم طلبته بعد ذلك فلم نجد له أثرا ، وقيل : انه ذهب إلى بغداد .
فرأيت ليلة في المنام كأن القيامة قد قامت وجمع الناس في موقف الحساب وجيء بي وبآخرين عند الموقف والعرض على اللّه ، فأذن لي بفضله ومنّه ان أدخل الجنة فأرسلني إليها ، فلما قصدتها رأيت الصراط على جهنم ، ففزعت من زفيرها وشهيقها ولما وصلت إليه رأيت غريمي اليهود كجمرة نار خرجت من جهنم ، ووقف على الصراط وصد عني الطريق وقال : أعطني خمسين دينارا ثم أقبل على شأنك ، فكلما تضرعت وأنبت وقلت : كنت أطلبك دائما ولم آل جهدا في ايصالها إليك لم يفده شيئا ، وقال : صدقت ولكن لا تجوز من الصراط إلّا ان توفيني حقي ، فلما رأيت اصراره بكيت وتضرعت وقلت : ليس عندي الآن شيء أقضي به حقك ، فقال اليهودي : دعني أضع أصبعا واحدة مني على عضو من أعضائك ؛ فرضيت بذلك لصده وابرامه فيه ، فوضع أصبعه على صدري فانتبهت من لذعة حرقته ، فرأيت صدري مجروحا هكذا وإلى الآن مشغول بمعالجته ولا أجد أثرا من اليهودي ، ثم كشف عن صدره فرأى الناس الجراحة المنكرة فيه ، وارتفعوا الأصوات بالبكاء والعويل ، وخاف العطار وأذهب بصاحب الحقة إلى خلوة واستغفر وسلمها إليه واعتذر منه .
دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام — صفحة 212
مساهمون: ميرزا حسين النوري الطبرسي
ص٢١٢