رؤيا أخرى مثلها
وفيه روي عن رجل من أهل هجر « 1 » قال : كنت ملازما ومواظبا على استماع مراثي الحسين ( ع ) والتردد على المأتم ليلا ونهارا ، ولا يشغلني شاغل ولا يمنعني عنها مانع ، فبينما أنا ذات ليلة جالس في مجلس الاستماع وكانت ليلة التاسعة من المحرم وقد بكيت بكاءا شديدا على ما جرى على الحسين وعلى أولاده وعلى أصحابه على نسائه وبناته من التعطيش ، والتسليب والذبح ، وتشريح اللحم وقطع الأيدي ؛ وتقطيع الأوصال وتعليق الرؤوس على الرماح ، وسبي البنات وضرب الأمهات ، فتعبت من كثرة البكاء فقمت من مقامي وجلست ناحية من المأتم ، وأنا حزين كئيب فأخذني النوم فرأيت طيفا عظيما « 2 » فكأني في بستان عظيم كالجنة وفيها من أنواع الأشجار والأثمار والطيور على أغصانها تغرد « 3 » وتغريدها كأنها نياحة الثواكل وهي تتجاوب وتردد التغريد وتبكي ، فقلت : سبحان اللّه هذه الطيور الحسنة مم شجاؤها ؟ على أي شيء بكاؤها ! وهي في مثل هذه الألوان على هذه الأغصان تبكي وتنوح وتأن ، وهي لابسة ملابس الحداد « 4 » متردية بأردية السواد ، ولا يكون اجتماعها وندبها إلّا على مولاي الحسين ( ع ) ، فبينما أنا واقف أستمع سجع الأطيار وقد ذهب لبي وجددت علي أحزاني ومصيبتي ؛ وإذا أنا أسمع بكاء ونحيبا وشيجا مختلفا عاليا واستغاثة عظيمة وصوتا من بين تلك الأطيار جهرا كادت أضلاعي ان تنطبق على أمعائي حين سمعته .
فقلت في نفسي : لا شك ان البستان من بساتين الجنة ، وقد سمعنا ان الجنة لا يكون فيها نصب ولا هم ولا غم ولا حزن ولا بكاء ولا غير ذلك من هموم الدنيا ، فياليتني عرفت هذا البكاء وعلى من ! ويا ليتني عرفت هذا
هامش
( 1 ) قال الفيروزآبادي هجر محركة : بلد باليمن واسم لجميع أرض البحرين .
( 2 ) الطيف : الخيال الطائف في النوم .
( 3 ) تغرد الطائر : رفع صوته في غنائه وطرب به .
( 4 ) الحداد : مصدر حدث المرأة : تركت الزينة ولبست السواد للمأتم .