والتحجير عليهم والاستئثار بالسلطة من دونهم إلى الحد الذي جعل « الفضل المطيع » - وبتعبيره : « لم يكن له من الخلافة إلا الاسم ، وإنما الأمر لمعز الدولة بن بويه الديلمي » ، وحكم المستظهر : « لا يتعدى باب داره » ، نجده يحمل تلك الشخصيات الضعيفة التي كانت في أيدي من أقاموها من السلاطين والأمراء كالدمى في أيدي اللاعبين - يحمّلها مسؤولية إضعاف دست الخلافة ، وبالتالي يعزو خلعها أو سمل أعينها وتعذيبها أو قتلها إلى ما نسب إليها من أعمال ، نحو قوله في ترجمة « المستعين » : « فلما أقام ببغداد بايعوا الأتراك المعتز باللّه بسر من رأى ، وخلعوا المستعين لأن أموره كانت قد اضطربت ، لأنه كان يولي الرجل في وظيفة ثم يعزله عنها ، ثم يرده إليها ، ثم يعزله عنها . وقالت الحكماء : ما على الدول شر من تقلب الولاة ، ولا اختلفت الآراء على دولة إلا تعجل هلاكها ، ولا قدم السفلة وترك أعيان الناس إلا احتقرت تلك الدولة » .
ولكن ماذا يكون تأثير هذا مع مثل هؤلاء المتغلبين ، بل كيف يكون منه ما نسب إليه دون علم وتخطيط المحجرين عليه السالبين لسلطانه ، إلى الحد الذي جعله يقول عن بعضهم في خلافة « القادر باللّه » : « وكانوا الديلم قد عظم أمرهم ، وزاد شرهم ، حتى خشي على الخلافة منهم » .
هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى نجده متعاطفا مع الخلافة العباسية - أيما تعاطف - حيث تطالعك بين ثنايا كتابه عبارات منها : « وفي أيامه كملت الخلافة بكماله وعدله وتواضعه ودينه » - في معرض الحديث عن خلافة هارون الرشيد - وقوله :
« فاستضاءت الدنيا ببيعته ، وهاجروا الناس إلى بغداد لعدله وحسن سيرته » - في ترجمة المستضيء - وقوله في ترجمة خليفة وقته « المتوكل على اللّه أبي عبد اللّه محمد » :
« واستقر عاليا مناره ، باديا فخاره ، شائعة بالخير أخباره ، واستمر يهتدي من أفق التوفيق بأنوار مقياس ، يقتفي آثار من سلف من آبائه خلفاء بني العباس ، اللهمّ أصلحه بما أصلحت به الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون » .
وتألمه لسمل أعين بعض خلفاء بني العباس كما يستشف من قوله : « واجتمع في بغداد ثلاثة خلفاء عميان بالحياة ، فلا حول ولا قوى إلا باللّه » .
ونفس الشيء فعله مع سلطان عصره « الظاهر برقوق » وقد تولى له بعض الوظائف في ظل الإدارة المملوكية ، كما كان إنشاء الكتاب بإشارة منه .
نسخ الكتاب
قدر لهذا الكتاب بعد وفاة مؤلفه أن يذيع وينتشر ، فعرفت لي منه نسخ متعددة قدر لي أن أراجع خمسا منها ، وهي :
1 - نسخة كتبت سنة 860 ه . تحتفظ بها مكتبة حكيم أوغلي علي تحت رقم : 737 ،