هامش
- أو خدعه رجل أريب . ويوضح لنا معاوية سياسته التي مكنته من الوصول إلى سدة الحكم وامرة المؤمنين ، فلقد كان يكرر « لو أن بيني وبين الناس شعره ما انقطعت إذا رخوها شددتها وإذا شدوها أرخيتها » . وهذا ابن طباطبا يصف لنا معاوية فيقول كان عاقلا في دنياه ، لبيبا عالما ، حليما ملكا قويا ، جيد السياسة حسن التدبير لأمور الدنيا ، عاقلا حكيما فصيحا بليغا يحلم في موضع الحلم ويشتد في موضع الشدة ، إلا أن الحلم أغلب عليه . ومما يدل على سعة حلمه أنه قال لقيس بن سعد يا قيس واللّه كنت أود أن تنكشف الحروب التي بيني وبين علي وأنت حي ، فقال قيس إني كنت أكره أن تنكشف تلك الحروب وأنت أمير المؤمنين . فلم يحرك معاوية منه ساكنا . وأجمع أهل التواريخ على أنه من دهاة العرب المعدودين ، الذي لا تعجزه الحيلة ولا تنطلي عليه الأمور . فقد كان بحق كما قال الفخري في الآداب السلطانية مربي دول ، وسائس أمم ، وراعي ممالك ابتكر في الدولة أشياء لم يسبقه أحد إليها . تولى أمرة الشام لعمر بعد موت أخيه ، وأقره عثمان عليها اثنتي عشرة سنة ، فعامل أهلها باللطف واللين حتى وصل إلى قلوبهم ، وبهم حارب عليا بن أبي طالب خمس سنين . واجتمع الناس عليه سنة 41 ه بعد تنازل الحسن بن علي ، رضي اللّه عنه ، في عام الجماعة ، فساس معاوية دولة مترامية الأطراف متباينة الأجناس ، فكان يمزج اللبن بالقوة والحلم والكرم بحد السيف فكان يعطي المقارب ، ويداري المباعد ، ويعامل كل طائفة بما يناسبها يشتد في موضع الشدة ، ويلين حيث ينفع اللين ، ويجود حيث ينفع الجود فلقد لامه قومه في إغداقه على بني هاشم ، فقال ويحكم ان الحرب تتطلب نفقات أكثر . ولقد اعتمد معاوية في تثبيت أركان دولته على رجال محنكين ضمهم إليه من أمثال المغيرة وعمرو بن العاص وزياد بن أبيه فهم الذين ساعدوه في ضبط زمام الأمور وإشاعة الأمن والهدوء في أرجاء دولته المترامية الأطراف . ولقد أعجب المؤرخون قديما وحديثا بسياسة معاوية وأخلاقه فنجد المسعودي يقول ولقد تبعه في سياسته ، عبد الملك بن مروان وغيره ، فلم يدركوا حلمه ولا اتقانه للسياسة . وهذا نلكسون يقول كان معاوية سياسيا محنكا لا يقل في مضمار السياسة عن ريشيليوا فقد مكنته معرفته التامة بالطبائع البشرية من أن يجذب إليه الرجال ذوي الآراء المعتدلة في جميع الأحزاب المعارضة ، توفي بدمشق ، سنة 60 ه .
ودفن بها وهو ابن 78 سنة وكانت خلافته تسع عشرة سنة ونصف وهو أول من جعل ابنه ولي العهد بعد ، وأول من اتخذ ديوان الخاتم وأول من قام على رأسه ، وكان يقول أنا أول الملوك / الاستيعاب ق / 3 ص 1416 - 1422 ؛ الطبقات الكبرى ، ج 7 ص 7 ص 128 ؛ الفخري في الآداب السلطانية ، ص 103 - 111 ؛ الطبري ، ج 7 -