خلق الله تعالى الناس على ثلاث طبقات ، وأنزلهم ثلاث منازل ، وذلك قوله تعالى
في كتابه : * ( أصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب
المشأمة والسابقون السابقون ) * ( ( 1 ) ) ، فأما من ذكر من السابقين فهم من الأنبياء
المرسلين وغير المرسلين ، جعل الله فيهم خمسة أرواح : روح القدس ، وروح
الإيمان ، وروح القوة ، وروح الشهوة ، وروح البدن ( ( 2 ) ) .
هامش
( 1 ) سورة الواقعة : 8 - 10 .
( 2 ) قال المجلسي ( رحمه الله ) : قوله ( عليه السلام ) : " جعل الله فيهم خمسة أرواح " ، أقول : الروح يطلق على النفس الناطقة ،
وعلى الروح الحيوانية السارية في البدن ، وعلى خلق عظيم ، إما من جنس الملائكة أو أعظم منهم ، كما قال
تعالى : * ( يوم يقوم الروح والملائكة صفا ) * [ سورة النبأ : 38 ] والأرواح المذكورة هنا يمكن أن تكون
أرواحا مختلفة متبائنة ، بعضها في البدن ، وبعضها خارجة عنه ، أو يكون المراد بالجميع النفس الناطقة
الإنسانية باعتبار أعمالها ودرجاتها ومراتبها ، أو أطلقت على تلك الأحوال والدرجات كما أنه يطلق عليها
النفس الأمارة واللوامة والمطمئنة والملهمة بحسب درجاتها ومراتبها في الطاعة ، والعقل الهيولائي
وبالملكة ، وبالفعل ، والمستفاد بحسب مراتبها في العلم والمعرفة ، ويحتمل أن تكون روح القوة والشهوة
والمدرج كلها الروح الحيوانية ، وروح الإيمان وروح القدس النفس الناطقة بحسب كمالاتها ، أو تكون
الأربعة سوى روح القدس مراتب النفس وروح القدس الخلق الأعظم ، فإن ظاهر أكثر الأخبار مباينة روح
القدس للنفس . ويحتمل أن يكون ارتباط روح القدس متفرعا على حصول تلك الحالة القدسية للنفس ،
فتطلق روح القدس على النفس في تلك الحالة ، وعلى تلك الحالة وعلى الجوهر القدسي الذي يحصل له
الارتباط بالنفس في تلك الحالة ، كما أن الحكماء يقولون : إن النفس بعد تخليها عن الملكات الردية
وتحليها بالصفات العلية ، وكشف الغواشي الهيولانية ، ونقض العلائق الجسمانية ، يحصل لها ارتباط خاص
بالعقل الفعال كارتباط البدن بالروح ، فتطالع الأشياء فيها ، وتفيض المعارف منه عليها آنا فآنا ، وساعة
فساعة ، وبه يؤولون علم ما يحدث بالليل والنهار ، وهذا وإن كان مبتنيا على أصول فاسدة لا نقول بها ، لكن
إنما ذكرناه للتشبيه والتنظير ، وعلم جميع ذلك عند العليم الخبير .