لَوْ أَنَّ قائلًا قال : إيَّاكَ نَفْسِكَ - لَمْ أُعنِّفْهُ لأنَّ هذه الكافَ مجرورَةٌ . وحكى ابنُ كَيْسَانَ قالَ :
قالَ بعضُ النَّحْوِيينَ : إِيَّاك بكمالِها اسمٌ ، قال : وقالَ بعضُهُم : الياءُ والكافُ والهاءُ هي أسماءٌ وإِيَّا عِمادٌ لها ؛ لأنَّها لا تَقُومُ بأنفُسِها ، قال : وقالَ بعضُهُم : إِيَّا : اسمٌ مُبْهَمٌ يُكْنَى به عن المَنصُوبِ ، وجُعِلَتِ الكافُ والهاءُ والياءُ بَيَانًا عن المَقْصُودِ ؛ لِيُعْلَمَ المُخَاطَبُ من الغائِبِ ، ولا مَوْضِعَ لها من الإعرابِ كالكافِ في ذلكَ وأَرَأَيتَكَ ، وهذا هو مَذْهَبُ أبى الحَسَنِ الأَخْفَشِ ، وقال أبو إِسْحاقَ الزَّجَّاجُ : الكافُ في إِيَّاكَ في موَضِع جَرٍّ بإضافَةِ إِيَّا إِلَيْها ، إلا أنه ظاهِرٌ يُضافُ إلى سائِر المُضْمَراتِ ، ولو قُلْتَ : إِيَّا زَيْدٍ حَدَّثْتُ - لكانَ قبيحًا ؛ لأنه خُصَّ به المُضْمَرُ ، وحكى ما رواهُ الخَليلُ مِنْ : إِيَّاهُ وإِيَّا الشَّوابِّ ، قال ابنُ جِنِّى : وتأمَّلْنَا هذه الأقوالَ على اختِلافِها والاعتِلالِ لِكُلِّ قولٍ منها - فلم نَجِدْ فيها ما يَصِحُّ مع الفَحْصِ والتَّنقِيرِ غيرَ قولِ أبى الحَسَنِ الأَخْفَشِ ، أما قولُ الخَليلِ : إِنَّ إِيَّا اسمٌ مُضمَرٌ مضافٌ فظاهِرُ الفسادِ ؛ وذلك أنه إذا ثَبَتَ أنه مُضْمَرٌ لم تَجُزْ إضافَتُه على وَجْهٍ من الوُجُوهِ ؛ لأنَّ الغَرَضَ في الإضافةِ إنما هو التَّعِريفُ والتَّخْصِيصُ ، والمُضْمَرُ على نهايَةِ الاختِصاصِ ، فلا حاجةَ بهِ إلى الإضافةِ ، وأما قولُ من قالَ : إن ( إيَّا ) بِكَمَالِهَا اسمٌ - فليسَ بِقَوِىٍّ ؛ وذلك أن إِيَّاكَ في أنَّ فَتْحَةَ الكافِ تُفيدُ الخطابَ المُذَكَّرَ ، وكَسْرَةَ الكافِ تُفيدُ الخطابَ المُؤَنَّثَ بمنزلَةِ أَنْتَ في أن الاسمَ هو الهَمْزَةُ والنُّونُ ، والتَّاءُ المفتوحَةُ تُفيدُ الخِطابَ المُذَكَّرَ ، والتَّاءُ المكسورَةُ تفيدُ الخطابَ المؤنَّثَ ، فكما أن ما قَبْلَ التاءِ في أَنتَ هو الاسمُ ، والتاءُ حَرْفُ الخطابِ ، فكذلك إِيَّا اسمٌ والكافُ بعدها حَرْفُ خِطابٍ ، وأما مَنْ قالَ : إن الكافَ والهاءَ والياءَ في إيَّاكَ وإِيَّاهُ وإِيَّاىَ هي الأسماءُ ، وإِنَّ ( إِيَّا ) إنما عَمَدت « 1 » بها هذهِ الأسماءُ لقلَّتها - فغيرُ مَرْضِىٍّ أَيْضًا ؛ وذلك أن إِيَّا في أنها ضميرٌ مُنْفَصِلٌ بمنزلَةِ : أَنَا ، وأَنْتَ ، ونَحْنُ ، وهوَ ، وهىَ ، في أن هذهِ مُضْمَراتٌ مُنْفَصِلَةٌ ، وكما أن : أَنَا وأَنتَ ونَحْوَهُما تخالِفُ لَفْظَ المَرْفُوعِ المُتَّصِلِ ، نَحْوَ : التَّاءِ في : قُمْتُ ، والنُّونِ والأَلِفِ في : قُمْنَا ، والأَلِفِ في : قَامَا ، والوَاوِ في : قَامُوا ، بِلْ هي ألفاظٌ أُخَرُ غيرُ أَلْفَاظِ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ ، وليس شَىءٌ منها مَعْمُودًا به غيرُهُ ، وكما أن التاءَ في :
أَنْتَ ، وإِن كانَتْ بِلَفْظِ التاءِ في قُمْتَ ، ولَيْسَتِ اسمًا مِثلَها ، بل الاسمُ قبلها هو أَنْ والتاءُ بعده للخطابِ ، وليست ( أنا ) عِمَادًا للتاءِ - فكذلك ( إِيَّا ) هي الاسمُ ، وما بعدَها يُفيدُ الخِطابَ تارةً والغَيْبَةً أُخْرَى ، والمُتَكَلِّمَ أُخْرَى ، وهو حَرْفُ خِطابٍ ، كما أن التاءَ في ( أَنْتَ )
هامش
( 1 ) في اللسان ( أيا ) : ( عُمِدَتْ ) .