تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحكم والمحيط الأعظم — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
سِيبَوَيْهِ من قَوْلِ الشّاعِرِ :
كَأَنَّك من جِمالِ بَنِى أُقَيشٍ * يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بشَنِّ « 1 »
أَراد : جَمَلٌ من جِمالِ بنى أُقَيْشٍ . وقال ابنُ جِنِّى :
« دانِيَةً
عَلَيْهِمْ ظِلالُها » مَنْصُوبَةٌ على الحالِ ، معطوفَةٌ على قولِه :
مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ *
[ الإنسان : 13 ] ، وهذا هو القَوْلُ الذي لا ضرُورَةَ فيهِ ، قالَ : وأما قَوْلُه :
« كأَنَّكَ من جِمالِ بَنِى أُقَيْشٍ * . . . »
البيت فإِنّما جازَ ذلك في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ ، ولو جازَ لَنا أن نَجِدَ « مِنْ » قد جُعِلَتْ في بعضِ المَواضِعِ اسْمًا لجَعَلْناهَا اسمًا ، ولم نَحْمِل الكَلامَ على حَذْفِ المَوْصُوفِ ، وإقامَةِ الصِّفَةِ مُقامَه ؛ لأَنَّه نوعٌ من الضَّرُورةِ ، وكتابُ اللَّهِ يَجِلُّ عن ذلِكَ . فأَمّا قولُ الأَعْشِى :
أَ تَنْتَهُونَ ولَنْ يَنْهَى ذَوِى شَطَطٍ * كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فيهِ الزَّيْتُ والفُتُلُ « 2 »
فلو حَمَلْتَه على إِقامَةِ الصِّفَةِ مُقامَ المَوْصُوفِ لكانَ أَقْبَحَ من تَأَوُّلِ قولِه تَعالَى :
وَدانِيَةً
عَلَيْهِمْ ظِلالُها على حَذْفِ المَوْصُوفِ ؛ لأَنَّ الكافَ في بَيْتِ الأَعْشَى هي الفاعِلَة في المَعْنَى ، ودانِيَة في هذا القول إِنَّما هي مَفْعُولٌ بها ، والمَفْعُولُ قد يكونُ غَيْرَ اسمٍ صَرِيحٍ ، نحو : ظَنَنْتُ زَيْدًا يَقُومُ . والفاعِلُ لا يكونُ إلَّا اسْمًا صَرِيحًا مَحْضًا ، فهم على إِمْحاضِه اسْمًا أشَدُّ مُحافَظَةً من جَمِيعِ الأَسْماءِ ، أَلا تَرَى أَنَّ المُبْتَدأَ قد يقعُ غيرَ اسْمٍ مَحْضٍ ، وهو قوله : « تَسْمَعُ بالمُعَيْدِىِّ خيرٌ من أَنْ تَراهُ » ، فتَسْمَعُ - كما تَرَى - فِعْلٌ ، وتقديرُه : أَنْ تَسْمَعَ ، فحَذْفُهم أَنْ ورَفْعُهُم تَسْمَعُ يدُلُّ على أَنَّ المُبتدأَ قد يُمْكِنُ أَنْ يكونَ عندَهُم غيرَ اسْمٍ صَريحٍ ، وإِذا جازَ هذا في المُبْتَدَإِ على قُوَّةِ شَبَهِه بالفاعِلِ ، فهو في المَفْعُولِ الَّذِى يَبْعُدُ عنهُما أَجْوَزُ ، فمن أَجْلِ ذلِكَ ارْتَفَع الفِعْلُ في قولِ طَرَفَةَ :
* أَلَا أَيُّهذَا الزَّاجِرِى أَحْضُرُ الوَغَى * « 3 »
عندَ كثيرٍ من النّاسِ ؛ لأَنَّه أرادَ أَنْ أَحْضُرَ . وأجازَ سِيبَوَيْهِ في قولِه : مُرْهُ يَحْفِرُها . أن يكونَ الرَّفْعُ على قوله : أَنْ يَحْفِرَها . فلمّا حُذِفَتْ أَنْ ارْتَفَعَ الفِعْلُ بعدَها ، وقد حَمَلَهُم كثرةُ حَذْفِ أَنْ مع غيرِ الفاعِلِ على أن اسْتجَازُوا ذلك في غيرِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُه وإِن كانَ ذلك
هامش
( 1 ) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص 126 ؛ ولسان العرب ( وقش ) ، ( قعع ) ، ( شنن ) . ( 2 ) البيت للأعشى في ديوانه ص 163 ؛ ولسان العرب ( دنا ) ؛ والخصائص ( 2 / 386 ) . ( 3 ) صدر بيت لطرفة في ديوانه ص 32 ؛ ولسان العرب ( أنن ) ، ( دنا ) . وعجزه :* وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدى *.
المحكم والمحيط الأعظم — صفحة 431 | ابن سيده / عبد الحميد هنداوي