الا أنه لا يجوز أن يطلق ذلك دون أن يقال إنه قبل الأشياء الموجودة سواه أو بعدها فيكون استثناؤه من الأشياء لا يخرجه من أن يكون شيئا ، وقبل وبعد لا يقتضيان زمانا ولو اقتضيا زمانا لم يصح أن يستعملا في الأزمنة والأوقات بأن يقال بعضها قبل بعض أو بعده لان ذلك يوجب للزمان زمانا . وغير مستنكر وجود زمان لا في زمان ووقت لا في وقت ، وقبل مضمنة بالإضافة في المعنى واللفظ وربما حذفت الإضافة إجتزاءا بما في الكلام من الدلالة عليها ، وأصل قبل المقابلة فكأن الحادث المتقدم قد قابل الوقت الأول والحادث المتأخر قد بعد عن الوقت الأول ما يستقبل والآخر يجيء على تفصيل الاثنين تقول أحدهما كذا والآخر كذا ، والأول والآخر يقال بالإضافة يقال أوله كذا وآخره الا في أسماء الله تعالى والأول الموجود قبل والآخر الموجود بعد .
( الفرق ) بين السابق
والأول
أن السابق في أصل اللغة يقتضي مسبوقا ، والأول لا يقتضي ثانيا ألا ترى أنك تقول هذا أول مولود ولد لفلان وان لم يولد له غيره ، وتقول أول عبد يملكه حر وان لم يملك غيره ولا يخرج العبد والابن من معنى الابتداء ، وبهذا يبطل قول الملحدين ان الأول لا يسمى أولا إلا بالإضافة إلى ثان ، وأما تسمية اللّه تعالى بأنه سابق يفيد أنه موجود قبل كل موجود ، وقال بعضهم لا يطلق ذلك في الله تعالى الا مع البيان لأنه يوهم أن معه أشياء موجودة قد سبقها ولذلك لا يقال إن الله تعالى أسبق من غيره لأنه يقتضي الزيادة في السبق ، وزيادة أحد الموصوفين على الآخر في الصفة يوجب اشتراكهما فيها من وجه أو من وجوه .
( الفرق ) بين قولك يقدمه
وقولك يسبقه
أن معنى قولك يقدمه يسير قدامه ويسبقه يقتضي أنه يلحق قبله ، وقال تعالى
( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ )
قيل إنه أراد يمشي على قدمه يقودهم إلى النار وليس كذلك يسبقهم لأن يسبقهم يجوز أن يكون معناه أنه يوجد قبلهم فيها .