تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
بصاحبه إليه حتى أهلكه ، والثالث هو الساعي نفسه ، سمى مثلثاً لإهلاكه ثلاثة نفر ، ومما يحقّق ذلك الخبرُ الثابت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا يدخل الجنة قَتّات » فالقَتّات والساعي والماحِل واحد . ويقال لعامل الصدقات : ساعٍ وجمعه سُعَاة ، وقد سعى يسعى إذا عمل عمل الصدقات فأخذها من أغنيائها وردّها في فقرائها . وقال عمرو بن العدّاء الكلبيّ :
سعى عِقَالًا فلم يترك لنا سَبَدا * فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
و في حديث عمر أنه أُتِي في إماء ونساء سَاعَيْنَ في الجاهليّة ، فأمر بأولادهنّ أن يقوَّموا على آبائهم ولا يسترقّوا . قال أبو عبيد : وأخبرني الأصمعيّ أنه سمع ابن عون يذكر هذا الحديث فقال له : إن المساعاة لا تكون في الحرائر ، إنما تكون في الإماء . قال أبو عبيد : ومعنى المساعاة الزنى . وخصّ الإماء بالمساعاة لأنهن كن يسعَين على مواليهنّ فيكسِبن لهم . قلت : ومن هذا أُخذ استسعاء العبد إذا عَتَق بعضه ورَقّ بعضه ، وذلك أنه يسعى في فَكَاك ما رقّ من رقبته ، فيعمل فيه ويتصرّف في كسبه حتى يعْتِق . ويسمى تصرفه في كسبه سعاية لأنه يعمل فيه . وقال أبو الهيثم : المساعاة : مساعاة الأمة إذ ساعاها مالكها ، فضَرب عليها ضريبة تؤدّيها بالزنى ، ومنه يقال : استُسعِي العبد في رقبته سُوعِيَ في غلته فالمستسعَى الذي يُعتقه مالكه عند موته ، وليس له مال غيره ، فيعتق ثلثه ويُستسعى في ثلثي رقبته . والمساعاة : أن يساعيه في حياته في ضريبته . والسعي يكون في الصلاح ، ويكون في الفساد . قال اللَّه جلّ وعزّ :
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ
فِي الْأَرْضِ فَساداً [ المَائدة : 33 ] نصب قوله
( فَساداً )
لأنه مفعول له ، أراد : يسعون في الأرض للفساد . وكانت العرب تسمي أصحاب الحَمَالات لحَقْن الدماء وإطفاء النائرة سُعَاة ؛ لسعيهم في صلاح ذات البين . ومنه قول زهير :
سعى ساعياً غيظِ بن مُرَّة بعدما * تبزّل ما بين العشيرة بالدم
أي سعياً في الصلح وجَمْع ما تحمّلا من ديات القتلى . والعرب تسمي مآثر أهل الشرف والفضل مساعي واحدتها مَسعاة لسعيهم فيها ، كأنها مكاسبهم وأعمالهم التي أعْنوا فيها أنفسهم . والسَّعاة اسم من ذلك ، ومن أمثال العرب : شغلت سَعَاتِي جدواي . قال أبو عبيد : يُضرب هذا مثلًا للرجل يكون شيمته الكرم غير أنه مُعدِم . يقول : شغلتني أموري عن الناس والإفضال عليهم . ومن أمثالهم في هذا : بالساعد تبطش اليد . قلت كأنه أراد بالسعاة الكسب على نفسه والتصرّف في معاشه . ومنه قولهم : المرء يسعى لغارَيْه أي
تهذيب اللغة — صفحة 59 | أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري