تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
مذهب أحمر وحمراء تُرك فيه أفعل منه ؛ كما ترك في كثير . قال : وقد تَلْقى بعض النحويين يقول : أُجيزه في الأعمى والأعشى والأعرج والأزرق ؛ لأنا قد نقول : عَمِيَ وزَرِق وعَرِج وعشِي . ولا نقول حَمِر ولا بَيِض ولا صَفِرَ ، قال الفراء : وليس ذلك بشيء ، إنما يُنظر في هذا إلى ما كان لصاحبه فيه فِعْل يقلّ أو يكثر ، فيكون أفعل دليلًا على قِلَّة الشيء وكثرته ؛ ألا ترى أنك تقول : فلان أقوم من فلان ، وأجمل ؛ لأن قيام ذا يزيد على قيام ذا ، وجماله يزيد على جماله ، ولا تقول للأعميين : هذا أعمى من ذا ، ولا لميّتين : هذا أموت من ذا . فإن جاء منه شيء في شعر فهو شاذّ ؛ كقوله :
أمّا الملوك فأنت اليوم الأمُهم * لؤماً وأبيضهم سِرْبالَ طبّاخ
ويقال : رجل عَمٍ إذا كان أعمى القلب ، وقال الفراء في قول اللَّه جلّ وعزّ :
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [ فُصّلَت : 44 ] قرأها ابن عباس : عَمٍ ، وقال أبو مُعَاذ النحوي : من قرأ
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
فهو مصدر يقال : هذا الأمر عَمًى ، وهذه الأمور عَمًى ؛ لأنه مصدر ، كقولك : هذه الأمور شُبْهة ورِيبة ، قال : ومن قرأ عمٍ ؛ فهو نعت ؛ نقول : أمر عمٍ وأمور عَمِيَة ، ورجل عمٍ في أمره : لا يبصره ، ورجل أعمى في البصر . وقال الكميت :
* ألا هل عَمٍ في رأيه متأمِّل *
ومثله قول زهير : *
ولكنني من علم ما في غد عم *
و في حديث أبي رَزِين العُقَيليّ أنه قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض ؟ قال : في عَمَاء ، تحته هَوَاء وفوقه هواء . قال أبو عبيد : العَمَاء في كلام العرب : السحاب ، قاله الأصمعي وغيره وهو محدود . وقال الحارث بن حِلِّزةَ :
وكأنَّ المنون تَردْى بنا أصْ * حَمَ عُصْم ينجاب عنه العماءُ
يقول : هو في ارتفاعه قد بلغ السحاب ، فالسحاب ينجاب عنه أي ينكشف . قال أبو عبيد : وإنما تأوّلنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم ، ولا ندري كيف كان ذاك العَمَاء . قال : وأمَّا العمى في البصر فمقصور ، وليس هو من هذا الحديث في شيء . قلت : وقد بلغني عن أبي الهيثم - وَلم يعزه لي إليه ثقة - أنه قال في تفسير هذا الحديث . ولفظه : إنه كان في عمى مقصور . قال وكلّ أمر لا تدركه القلوب بالعقول فهو عَمًى . قال : والمعنى : أنه كان حيث لا يُدركه عقول بني آدم ، ولا يَبلغ كنههَ وصف . قلت أنا : والقول عندي ما قاله أبو عُبيد أنه العماء ممدود ، وهو السحاب ولا يُدرى كيف ذلك العَمَاء بصفة تحصُره ولا نعتٍ يَحدّه . ويُقَوِّي هذا القول قول اللَّه جلّ وعزّ :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ
[ البَقَرَة : 210 ] فالغمام معروف في كلام العرب ، إلّا أنا لا ندري