تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
قلت : وفيه وجه ثالث أحسبه الصواب الذي لا يجوز غيره ، وهو أن قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « المؤمن يأكل في مِعًى واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء » مَثَل ضربه للمؤمن ، وزهده في الدنيا وقناعته بالبُلْغة من العيش ، وما أوتي من الكفاية ، وللكافر واتّساع رغبته في الدنيا وحرصه على جمع حُطَامها ، ومنعها من حقّها ، مع ما وصف اللَّه الكافر من حرصه على الحياة ، وركونه إلى الدنيا واغتراره بزُخرفها ، فالزهد في الدنيا محمود ؛ لأنه من أخلاق المؤمنين ، والحرص عليها وجمع عَرَضها مذموم ؛ لأنه من أخلاق الكفار . ولهذا قيل : الرُغْب شؤم ، وليس معناه كثرة الأكل دون اتساع الرغبة في الدنيا والحرص على جمعها ، فالمراد من الحديث في مَثَل الكافر استكثاره من الدنيا والزيادة على الشبع في الأكل داخل فيه ، ومثلِ المؤمن زهدُه في الدنيا وقلّة اكتراثه بأثاثها واستعداده للموت واللَّه أعلم . وقال شمر : قال الفراء : جاء في الحديث « المؤمن يأكل في مِعًى واحدة » . قال الفراء ومِعًى واحد أعجب إليّ . قال : المِعَى أكثر الكلام على تذكيره ، يقال هذا معي وثلاث أمعاء ، ربما ذهبوا به إلى التأنيث ، كأنه واحد دَلّ على جمع . وقال القطامي :
كأن نُسُوع رحلي حين ضمت * حوالب غُرَّزاً ومعي جياعا
وقال الليث : واحد الأمعاء يقال : مِعًى ومِعَيان وأمعاء . قال وهو جميع ما في البطن مما يتردّد فيه من الحوايا كلها . شمر عن ابن الأعرابي قال : الأمعاء ما لان من الأرض وانخفض . وقال رؤبة :
* يحبو إلى أصلابه أمعاؤه *
قال : والأصلاب : ما صَلُب من الأرض . وقال الأصمعي : الأمعاء : مسايل صغار . وقال أبو عمرو : يحبو أي يميل ، وأصلابه : وسطه ، وأمعاؤه : أطرافه . وقال أبو خَيْرة المِعَى غير ممدود الواحدة أظن مِعَاة : سهلة بين صلبين وقال ذو الرمة :
تراقب بين الصُلْب من جانب المِعَى * معَى واحفٍ شما بطيئاً نزولها
وقال الليث : المِعَى من مذانب الأرض ، كل مِذْنب بالحضيض يناصي مِذْنباً بالسَنَد . والذي في السفح هو الصلب . قلت : وقد رأيت بالصَمَّان في قيعانها مَسَاكَاتٍ للماء وإخَاذاً متحوّية تسمى الأمعاء ، وتسمى الحوايا ، وهي شبه الغُدْران ، غير أنها متضايِقة لا عَرْض لها . وربما ذهبت في القاع غَلْوة . والعرب تقول للقوم إذا أخصبوا وصلحت حالهم هم في مثل المِعَى والكَرِش . وقال الراجز :
يا أيَهذا النائم المفترشْ * لستَ على شيء فقم وانكمش لستَ كقوم أصلحوا أمرهم * فأصبحوا مثلَ المعى والكرش