لمّا لم يسلّم بعد لم يلزم مقتضاه ، فيكون القياس قياسا ، أعم من كونه قياسا يلزم مقتضاه .
وكونه قياسا يلزم مقتضاه ، هو أيضا على قسمين ، على ما علمت ، فالقياس الذي يلزم مقتضاه بحسب الأمر في نفسه ، هو الذي مقدماته مسلمة في أنفسها ، وأقدم من النتيجة . وأما الذي هو بالقياس ، فالذي قد سلم المخاطب مقدماته ، فيلزمه النتيجة .
ومن العجائب أن السوفسطائى الذي غرضه المماراة يضطر إلى أحد الأمرين : إما إلى السكوت والإعراض ، وإما إلى الاعتراف لا محالة بأشياء ، والاعتراف بأنها تنتج عليه .
وأما المتحير فعلاجه حل شبهة ، وذلك لأن المتحير لا محالة أنما وقع فيما وقع فيه إما لما يراه من تخالف الأفاضل الأكثرين ، ويشاهده من كون رأى كل واحد منهم مقابلا لرأى الآخر الذي يجده قرنا « 1 » له ، لا يقصر عنه ، فلا يجب عنده أن يكون أحد القولين أولى بالصّدق من الآخر .
وإما لأنه سمع من المذكورين المشهورين المشهود لهم بالفضيلة أقاويل لم يقبلها عقله بالبديهة ، كقول من قال : إن الشئ لا يمكنك أن تراه مرتين ، بل ولا مرة واحدة ، وإن لا وجود لشئ في نفسه ، بل بالإضافة . فإذا كان قائل مثل هذا القول مشهورا بالحكمة لم يكن بعيدا أن يتحير الشادى « 2 » لقوله .
وإما لأنه قد اجتمع عنده قياسات متقابلة النّتائج ليس يقدر على أن يختار
هامش
( 1 ) - « قرن : همسال وهمسر مرد » كما في منتهى الأرب .
( 2 ) - « الشادي : آنكه بعض از أدب آموخته باشد » كما في منتهى الأرب . في مادة « ش دو » .