ليس من القبيح أن يلام أو ينتقد ، ولا هو يملك مبررا عادلا للندم أو تأنيب الضمير . و لكن إذا نشأ ذلك العجز من داخل مجال إرادته فإن الخاسر يستحق الاستنكار والتقريع ، ويجب أن يبدي أسفه على إهماله لما كان داخل نطاق تصرفه . هذا المعيار الفلسفى الذي يشير إلى تلك القوانين الفطرية للطبيعة يصلح مقياسا لقياس ظروف الأمم وأحوالها في السعادة والشقاء ، وكذلك يصلح مقياسا لكيل الثناء والمديح ، أو التقريع والانتقاد ، لماضي الأمم وحاضرها ومستقبلها . ماضي الإنجليزوبناء على هذا سوف نستخذم ذلك المعيار في استعراض تاريخ الشعب الإنجليزي العظيم ، الذي يصمم الآن على خوض حرب مع أفغانستان ، حتى يمكن أن نكتشف أسباب سعادته [ 1 ] الماضية ، ونستطيع أن نحكم على استمراره أو ركوده في المستقبل فنقول : لقد بعث الخطيب المشهور شيشيرون خطابا إلى أحد الفاتحين ( الرومان ) لإنجلترا رجاه فيه ألا يرسل أسيرا إلى روما ، لأن الإنجليز جنس أميّ غير متعلم ، لا يعرفون الخلق المهذب ، ولا يقبلون على اكتساب المعارف ، ولا سيما الهندسية والموسيقى . وقد درج النور مانديون أيضًا ، حين احتلوا الجزيرة ( الإنجليزية ) ، على تكبيل أعناق أهلها بالأغلال ، لأنهم أدركوا انحطاطهم وتخلفهم . ومع ذلك فقد لاحظ هؤلاء الأهالي ما أحرزه جيرانهم من تقدم في العلوم والمعارف ، و ما استمدوه منها مزايا ، و ما تحقق لهم - نتيجة ذلك - من مرتبة عالية ، فتأثروا ، ونشطوا ، إلى حد أن مزاجهم كله أصابه التغير ، واعتراه ظمأ عارم لتحصيل العلوم . واتجه هذا الظمأ أول ما اتجه إلى الصنائع أساسًا ، ثم تطور فأصبح تجاريا ، سرعان ما اتسعت معاملاتهم - بسببه - اتساعا هائلا . وقد ساعدت على ذلك القوة القاهرة للظروف ، مما ترتب عليه في النهاية تتويج جهودهم بالنجاع الكامل .
هامش
[ 1 ] . استخدم المترجم الإنجليزي كلمة « رخاءprosperityبمعنى « سعادة » الذي يقصده الأفغاني ، ولكننا نميل إلى المعنى الأخير ؛ لأنه تكرر بعد ذلك - كما سنرى - في كتابات الأفغاني في تلك الفترة ومع ذلك فالسعادة عند الأفغاني هي الرخاء أيضًا .