إلى ما هو أعلى مركزاً ومقاماً وواطأه على ذلك رجال حزبه ، إلّاأنه لم يكن موقنا بالنجاح فتجسس الأمر بإشاعة بغيته ، فلما لقي أن لا معارض له وأن كثيرين غايتهم من الدنيا رضاه عمد إلى إنفاذ أمنيته وبدأ بإخفاض جناح من خاف معاكستهم له ، فأمر بشنق الدوك دنكيان ( 15 من آذار 1804 ) لأنه كان ذا صولة ومقام نسبى ونودي بنابوليون بعدئذ إمبراطوراً وقد توجّه بيوس السابع في كنيسة نوتردام في ثاني كانون الأول لذاك العام وصوّت القوم يدعون له بالظفر وطول البقاء . وغزا نابوليون هانوقر بعد رضائه في الإغضاء عن معاهدة أميان ففتحها وتنازل عنها بعدئذ إلى بروسيا ، ولما كان ذا فطنة متوقدة وعلم في دروب السياسة غريب رأى أنه لابد له يوماً ما من مقابلة دول أوروبا الثلاث ، فأعمل الفكرة فأنتجب له مراضاء بروسيا حتى يتم له فتح النمسا ، وأخذ يملّق روسيا ويعيدها بالحسنى ليحفظها بعيدة إلى أن يتسنى له منازلتها بالجنود التي يحصل عليها بعد قهر أعدائه ، وهكذا وفق بين مقاطعات الرين حتى أفرد النمسا وحيدة وبعد طويل نزال ألجاء إمبراطورها بعد علو منزلته إلى أن يحصر لقبه بالإمبراطور النمساوي لا غير ( 1805 ) ، وكانت أبصار نابوليون لا تزال متجة إلى غزو إنجلترا فيما كان يدير مهماته في بولونيا تحركت الحمية في أستراليا للثأر وقامت للحرب ، وكانت وروسيا قد هاجت بها عامله الحسد من قوته وعلو منزلته ، فاتفقت الدولتان على سحقة فلما وصل إليه الخبر علم أن خير الأمر عاجله فعبر نهر الراين وجميع إليه الجنود واندفع الجنرال ناي أكبر قواده حينئذ لمنازلة النمساويين فقهرهم وكان في مقدمتهم القائد ماك مرأساً على 23 ألفاً فألجئوا إلى التسليم والخضوع لنابوليون ( 20 ت 1 - 1805 ) وظل نابوليون يعمل في النمساويين إلى أن أهلك رجالهم وسحق قوّتّهم ودوّخ مدنهم وبعد كسبه موقعة اوسترلتز وإنهاء الأمر نودي بالسلام وحصت حينئذ معاهده برسبرج فَسنَّ فيها من الشرائط على النمسا ما شاء فكانت من أثقل الأحمال عليها ، ودامت جنوده مثابرة في الظفر إلى أن استولى على ارمستاد ( 14 ت 1 ) وبعد مضي ثلاثة عشر يوماً دخل برلين فلم يرض بإبرام الصلح إلا على أظلم نمط فالتجأ ملك بروسيا إلى الفرار ومثابرة الحرب .
ضياء الخافقين — صفحة 234
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٣٤