في سياستهم سبيل الرشد والهدى ، وما استفادوا من عقولهم شيئاً ، ولا تدبروا في عواقب أفعالهم ونتائج أعمالهم ، ولا نظروا بنور البصيرة في حالهم ومآلهم . بل تاهوا جهلًا منهم بمنافعهم في بيداء الغواية . وصاروا عمى عن غاية مسيرهم فيتيه الضلالة . حتى خربوا بأيديهم ديارهم . وأبادوا بسوء تصرفهم بلادهم . ومكنوا الأجانب بمساعيهم الفاسدة من رقابهم - وكان الواجب على أحفادهم الذين احترقوا بنارهم ، وتدنسوا بعارهم ، أن يعتبروا بالمصائب التي جلبتها إليهم غفلات أسلافهم . . وأن يتقوا البليات التي قادتها الغباوة إلى آبائهم . . وان يسعوا في جمع الكلمة . . وأن يتحذروا من الشتات والتفرقة . . ويجتنبوا الأغراض الشخصية . . ويعرضوا عن دواعي الخطرات الوهمية . . ويتنحوا عن مضال الاستبداد والاستئثار . ولكن تراهم ، لسبات عقولهم ، يقتفون آثارهم ، ويتبعون أغلاطهم ، معرضين عن العقل وارشاده ، جاحدين للحق وآياته ، ارتفعت عنهم الأمانة . . وفشت بينهم الخيانة . . وانقطعت بينهم عرى الوداد . . وانحلت عقدة الجنسية . كل ينظر إلى نفسه ويسعى لنفعة شخصه ، جهلا منه أن سعادته منبثة في جميع آحاد الأمة . . ولا يمكنه أن يفوز بهاالا بسعادة الكل . ولذلك قد صاروا ، بعد العبودية ، فقراء لا يملكون شيئاً . . حائرين في معاشهم . . ضالين عن رشدهم في مبدأهم ومعادهم . وكاد أن يقضى عليهم بذل أبدي ، وموت دائمي ، بتلاشي جنسيتهم وتناثر جمعيتهم - ومع كل هذا ، ما فاتهم أوان التدارك ، ولا ضاق عليهم زمان ، ولا سدت عليهم الأبواب ، ولا انقطعت دونهم الأسباب . ولكن قد تمكن منهم القنوط ، وغلب عليهم اليأس ، وفترت هممهم ، وضعفت عزائمهم ، واستكت ( بمعنى أغلقت ) آذانهم عن استماع النصائح ، وعميت أبصارهم من رؤية الحق ، وقست قلوبهم عن الاذعان له . فتراهم ، امتداداً في غيهم ، يريقون دماء هداتهم . . ويتبعون المرء غواتهم . فلا حول ولا قوة إلا بالله . عن جريدة « أبونظارة زرقا » العدد الثاني - 9 شباط - فبراير 1883 باريس
الرسائل والمقالات — صفحة 166
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٦٦