تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
على شيء من أحوالهم الداخلية . بل حرموا على أنفسهم الانتفاع بشيء من مصنوعات أوروبا وثبتوا على صنائعهم وروجوها بينهم ، وبذلوا الجهد في ترقيتها حتى صار لهم من الصنائع ما يشبه صنائع الاوربيين في كل نوع ، ولا يوجد في بيت واحد منهم أو على بدنه مصنوع إلا من عمل أيديهم . فهذه القبائل الرفيعة الهمة الأبية النفس أخذت الأهبة في هذه الأيام لما أعده لها استعدادها . ولست بالواهم إن قلت بتواتر رسلها وكتبها إلى الحدود الشمالية لتجاذب حبال الصلة بينها وبين رؤساء المنفذين في زعمها . حكومة حيدرآباد ملت سيطرة الانكليز عليها ، ونظرت إلى قوتها العسكرية واجتماع رعاياها على بغض المتحكمين في شأنها ، الآخذين على يديها ، وجاءها خبرالزحف الروسي ، فشدد عزيمتها ، وزاد في حرصها على الخلاص من عنف السيطرة الانكليزية ، وقبائل ( السيك ) في بنجاب من شمال الهند شمروا للخوض في لجج الفتنة متى اشتبكت حرب في بلاد الأفغان ، ليعيدوا مجدهم الأول ، ويأخذوا بالحق لأَنفسهم ممن أباح دماءهم ، وفتك بأشرافهم . ولم يمض على ذلك الزمن الطويل فينسى ، ولم يأيهم عوض عما فقدوا فيتسلوا عنه . أحست حكومة الهند بمبادىء الاضطراب ، فأخذت الطرق على كل سائر إلى جهة الشمال ، منعاً للمواصلات بين الهنديين والروس ، ومنعت تجار الأفغانيين من الجولان في البلاد الهندية ، وصدَّت كل عربي يدخل إلى الهند من الشخوص إلى حيدرآباد لكثرة أبناء العرب فيها ، واشتدَّت في التضييق على كل طارق غريب يرد إلى أرض الهند ، وعلى كل وطني يصل إلى الحدود الشمالية ، وأخرست الجرائد عن التكلم في حوادث التقدم الروسي ، وأنطقتها قهراً بما يغشي وجه الحقيقة ، ويصرف الأفكار عما شغلت به من أعداد العدد وتحويل مراكز الجند ، وحشد الجيوش ، وتوفير الذخائر في مواقع المخافة ، وأرسلت عيونها على موارد البريد ، ورسمت بفتح المغلقات ، وأخذت بكل احتياط . ومع هذا كله ضاقت سلطة الحكومة عن سد أبواب الهند المفتوحة ، وقطع طرقها الواسعة ، وتسوير حدودها الممتدة . فالأخبار بين أمراء الهند وبين الروسية متواصلة ، وقد علم رجال الحكومة
الرسائل والمقالات — صفحة 154 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده