حتى يتمكن من السلطة ، ويكون من أحوال البلاد على خبرة ، فلهم في تقليب الحال متنفس . بل تعالت أفكارهم إلى أسمى من ذلك فظنوا أن لا طاقة للروسية لو تقدمت إلى الهند أن تضبطها بقوة السلاح دفعة واحدة ، فمن المحتوم عليها أول العمل أن تعيد الملك لطلابه من أهالي البلاد وتمدهم بالمعونة على سالبه منهم لتكون البلاد عوناً لها على بلوغ غايتها من فتح أبواب التجارة الهندية لأبناء جلدتها ، ثم إن شاءت بعد ذلك غالبتهم ، وفي هذا متاع من الاستقلال إلى حين ، وفسحة من الزمان ربما تمكنهم من صون ما يصل إليهم . هذا مايرتفع اليه الخبال في رؤس الهنديين على اختلاف طوائفهم ولا أظنهم يخطئون فيما يظنون ، ولا تجد طائفة منهم عوناً على ماتؤمل إلا في الاتحاد مع الأخرى . وقد ضعف الأساس الأول فيوشك أن يتضعضع البناء . همدت نيران الضغائن التي كان يسعرها الحكام في البنجالة بين المسلمين والوثنيين ، وبعد أن كانوا متدابرين يذهب كل منهم إلى حيث لا يلتقي مع الآخر أبد الابدين ، انعطف كل في سيره إلى ما يقارب الآخر فلا يمضى كثير من الزمن إلا وقد عادوا متقابلين . لا يفتر الحكام عن امداد اللهيب بوقود الفتن كأنهم خلفاء الفرس الأقدمين في عبادة النار إلا أن الآمال المقبلة تصب عليها ماء باردا فلا تلبث أن تصير برداً وسلاماً . قبائل ( المرتة ) في أواسط الهند هزت مناكبها نحو مطلوبها القديم هذه من أقوى قبائل الهند وأشدها تمسكا بعوائدها وأحرصها على الاستقلال . أرغموا من زمن على الدخول تحت السلطة الانكليزية ، ولكنهم لم يؤدوا من رسوم الطاعة شيئاً سوى الخراج ، فقد تحالفت هذه القبائل على وفرة عددها أن لاترفع من أمرها شيئاً جزئياً كان أو كلياً إلى حاكم انكليزي ، واتفقت على أن يكون تدبير شؤنها مفوضاً لرجال منها ينتخبون بالاقتراع ، وما كان عاماً من شؤونها خصته بمجلس عام يشبه مجالس النواب في البلاد المتمدنة ، وما كان خاصاً كالفصل في الخصومات جنائية كانت أو قضائية ناطته بقضاة منها لاينازع في حكمهم ، ولا يدافعون في قضائهم ، ولو أن مرتباً رفع أمره في خصومة إلى القاضي الانكليزي لأعدموه حياته وذهب دمه هدراً لا يطالب به أحد . كل ذلك ولا يستطيع حاكم من حكام الانكليز أن يقف
الرسائل والمقالات — صفحة 153
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٥٣