الانكليز في سنة 1857 غير أنهم لم يوفقوا للنجاح فيما هموا به ، بل ظفرت بهم الدولة الحاكمة . ومن ذلك الوقت أخذت الدولة الانكليزية حذرها فرفعت بناء سياستها على أساسين الأول توليد الشقاق بين الطوائف وإيغار صدور كل طائفة من الأخرى وآلتها في ذلك أصل الخلاف الموجود بينهم وأدركت بعض النجاح في سعيها هذا وظهر بعض أثره في بلاد البنجالة بين الوثنيين وبين المسلمين ، وفي أواسط الهند بين الطوائف الوثنية بعضها مع بعض . والأساس الثاني سد نوافذ الاخبار عن الهنديين قاطبة حتى لايقفوا على المشاكل السياسية والورطات الحربية التي تقع فيها انكلترا ، ولا تكون بينهم وبين الأوربيين صلة سياسية يلجأون إليها إذا هموا بمثل عملهم السابق ، ولايطرق آذانهم صيحة من صيحات الحوادث التي تنبههم لطلب حال خير مماهم فيه . قطعتهم عن العالم فهم بمعزل عن معرفة شيء من أحواله ليستمر بهم الاذعان بأن لا قوة إلا بانكلترا ، ولا ملجأ منها إلا إليها ، ولا حيلة في الادبار عنها إلا الاقبال عليها ، ولا شفيع من جورها إلا جبروتها الأعلى . وهذه أحكم سياسة يقوم بها سلطان الغالب على المغلوب ، وليس في نظر العقلاء أجود منها لولا تصاريف القدرة الإلهية مما لايطاوله بناء ، ولا يعاجله دهاء . وي انتقض الأساس الثاني فانصدع له ركن عظيم من قوة الدولة . لم يكن في حسبان أحد من حكام الهند ان يزحف جيش الروس على حدود الأفغان ، بل كانوا في غرة الأَمن من وقوع مثله ، فإذا الحادث فاجأهم فطار طائر الأَخبار بغتة حتى جثم على قمم حبال الهند ، وصاح بالخبر المفزع فلم يبق هندي إلا وبلغ منه الخبر حد اليقين ، فذلك قد أعجل الدولة عن التدبير في كتمانه ، فتراجعت العقول من غيبتها ، وانطلقت الآمال من محابسها ، وخيل للنفوس أن المعارك أصبحت على حدود بلاد الهند . علم ذوو الرأي من أهل الهند أن دولة أوربية شديدة البأس سامية القوة ستصبح جارة لهم ولها من المصلحة في بلادهم مايضارع مصلحة الدولة الحاكمة ، فلو تقربوا منها شبراً لتقربت منهم ذراعاً . ومذاهب المتغلبين في السيادة على المغلوبين وإن كانت مشابهة الا ان من أحكام العادة أن يكون في سيرة الجديد لين إلى أمد
الرسائل والمقالات — صفحة 152
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٥٢