تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
سلكته الإنجليز في جميع فتوحاتها كما نبهنا مرارًا ، وإن هذا الداهية الإنجليزي لا يحيد عنه بعدما سلكه أسلافه من قبله وقفاهم عليه عندما كان حكمدار الهند وجنوا ثماره . يجتهد بما في وسعه لطرد العساكر المصرية وإبدالهم بالضابطة ليقترح بعد أيام تبديل رجال الضابطة المصريين بأقوام من الجيوش الإنجليزية أو الهندية تعللا بفساد أخلاق المصريين وعدم أهليتهم للخدم النظامية وعجزهم عن القيام بوظائف الضبط وصيانة الراحة وبذلك يجرد الحكومة من جميع قواها وتكون السلطة الإنجليزية سائدة في جميع الجهات بلامعارض لها من طرف الحكومة المحلية . كل هذا يجريه قبل إعلان السيادة والاستملاك كما فعل سابقوه في الهند مع كل نواب وراجا ولا يزال يفعل خلفهم من بعدهم . يزعم الإنجليز أن تدخلهم في مصر إنما كان لتسكين الاضطراب وإزالة العصيان وتقرير الراحة . ارتفع العصيان وسجن عرابي ورؤساء حزبه وتبددت جموعهم ولم يبق أثر لما سموه عصيانًا وألزمت دولة بريطانيا حكومة مصر بالتنازل عن السودان من مدة طويلة . فماذا تريد من إرسال الجيوش إلى مصر الآن ، ألمجرد إرسال چوردون كما يدعى رجال الإنجليز ؟ إنهم يقولون إن چوردون يسوق مراكبه في كل وقت لمحاربة الثائرين وتشهد الجرائد الإنجليزية نفسها بأنه يستطيع الخلاص بأي وجه متى شاء ، فليس هناك حاجة إلى تجريد الجيوش وسوقها إلى الأراضي المصرية تحت هذه التعلة . هل تريد حكومة بريطانيا بتوقية [ 1 ] جيوشها أن ترفع الخلل الداخلي وتكف أيدي الناهبين وقطاع الطريق ؟ ! هذا خلل ما حدث إلا بوجود الجيوش الأجنبية والنفرة من السلطة الغربية فكيف يمكن محو الشيء بتوقية علل وجوده ؟ ! هذا الخلل يرتفع ويمحى أثره إذا انجلى جيش العدو عن الديار ولم يبق لها فيها رؤوس ولا أذناب ، نعم هذه كلها تعلات يزعمها الإنجليز حجابا لما يسعون إليه من الاستعلاء على عرش السيادة في مصر وحط الرجال في سهولها وحزونها [ 2 ] . فلم يبق بعد هذا سوى أن ينتبه الغافل ، ويلتفت صاحب الأمر إلى ما يحف به
هامش
[ 1 ] . يقصد الأفغاني بكلمة توقية : وقاية أو حراسة . . . [ 2 ] . حزونها : المناطق الوعرة . .
العروة الوثقى — صفحة 466 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده