تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
الوطن كما يظن بعض المتطفلين على موائد السياسة ، فإنما ننادي على صاحب البيت أن يدافع عن حريمه وماله وشرفه ، وأن يخرج مخالب عدوه من أحشائه ، وهي سنة جرى عليها دعاة الحق ، في كل أمة ، وتاريخ أوروپا القديم والحديث ، وتواريخ الأمم الشرقية أولها وآخرها تنطق بصدق ما نقول وعلى المصريين عموما والفلاحين خصوصا أن يجمعوا أمرهم على أن يمنعوا الحكومة كل ما تطلب منهم وأن يرفعوا أصواتهم بنداء واحد قائلين لا نطيع إلا حاكما وطنيا مسلما نافذ الكلمة حازم الرأي قادرا على إدارة البلاد بقوة وطنية ، وليستصرخوا في ذلك جميع الدول ويبرهنوا على قدرتهم ، الأدلة على أن مصلحة الدائنين ، لا يمكن حفظها إلا بإجابة طلبهم ، فإن فعلوا هذا وجدوا لهم من الدول أنصارا ، بل ومن الجنس الإنجليزي نفسه ! ! على الدولة العثمانية أن تتذكر أنه لولا فرمانها بعصيان عرابي لما سهل للإنجليز أن يدخلوا أرض مصر [ 1 ] ولا أصابوا هذه الغنيمة باردة ، فلتنظر إلى قوتها ونفوذها وتلاحظ أن الحل على من عقد ، والعقد على من حل . ولا تنس أن مصر حبكة الممالك العثمانية كما بينا مرارا ، ولا تغفل من النمسا وشرهها ، وروسيا وطمعها ، وفرنسا وآمالها ، فمن الأمور الطبيعية أن المنافسة أو الموازنة تدعو الأقران إلى التسابق في الأطماع . وإذا فرط متساهل في أهل ملته فلن يجد منهم فيما بعد عونًا . لو تحرك العثمانيين لرأوا عونا من جميع المسلمين خصوصا وقد حصلت كدورة بين إمارة الأفغان وحكومة الإنجليز . بل نكرر ما قلناه مرارا من أن نفوذ العثمانيين في الهند يمنع الإنجليز من الجهر بعدواتهم البتة . فهذه فرصة الإقدام فإن ولت الفرصة فربما يصعب التلافي ، ولا يبقى إلا الندم ، حيث لا ينفع الندم ، وفق اللَّه الدولة العثمانية إلى ما فيه خيرها وخير المسلمين ، وبصرها بالرشد وكفاها شرور المفسدين .
هامش
[ 1 ] . هذا هو أول هجوم يشنه الأفغاني على الدولة العثمانية لأنها أصدرت فرمانها الخاص باتهام عرابي بالعصيان ونكست حركته مما أدى إلى تسلل الإنجليز واستعمار مصر سبعة عقود ! !
العروة الوثقى — صفحة 416 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده