خروجها فعلقته بما يشبه المحال لتسهل عليها المواربة ولكن لم يذهب على رجال السياسة في سائر الدول أن بقاء إنجلترا في مصر لا يزيدها إلا خرابا . ولما انعقد المؤتمر كشف مسيو دپلنيير الفرنسي ما في لائحة بارنج من الأغلاط فشرعت إنجلترا في تهديد فرنسا بالميل إلى ألمانيا . إلا أن السفير الألماني وهو تلميذ البرنس بسمارك ولا يعمل إلا بإشارته كان أميل إلى فرنسا ، فإن سياسة البرنس مبينة على التفريق بين فرنسا وإنجلترا ( وقد حصل ) فحصل اليأس لحكومة إنجلترا من تخفيف النفقة على الملك التي زعمت أنها ملكته ، فحلت المؤتمر أو انحل بطبعه . وصارت الدول الأوروپية في جهة ، وإنجلترا وحدها في جهة أخرى [ 1 ] ولم يكن من رأي الدول أن يقعوا آلة في يد إنجلترا تستعلمهم في قضاء أوطارها فطاشت جرائد الإنجليز غضبا على ألمانيا وأخذت تذكرها بأن استيلائها على الألزاس واللورين إنما كان بمساعدة إنجلترا المعنوية ، وهاجت الجرائد النمساوية والألمانية ، وصالت بالطعن والتجريح في السياسة الإنجليزية ، واتفقت حكومة ألمانيا والنمسا على إلزام إنجلترا بتحديد أجل لدفع الخسائر التي نشأت عن ضرب الإسكندرية . الحكومة الإنجليزية في رجفة شديدة ، وخيفة من سوء العاقبة ، إلا أنها على عادتها تظهر الإقدام وتنطق بالحماس وتوهم أنها غنية عن العالمين . عمدت إلى الاستقلال بتدويخ مصر ، وتقرير سلطتها فيها وإخماد فتنة السودان ، وظنت أنها قادرة على كل ذلك ، فجهزت القواد وعينت اللورد نورثبروك أعدى أعداء المسلمين ومخرب بيوت الشرقيين ليتولى العمل لدولته في القطر المصري . ولكن هيهات وهيهات . نترك الآن بيان ما يترتب على انفراد الإنجليز عن سائر الدول في أمر مصر إلى عدد آخر ونقدم كشفا لجوهر حالهم العامة . أولا : إن الإنجليز على عادتهم المألوفة إذا قصدوا الاستيلاء على قطر لا يصرحون بقصدهم حتى يتمكنوا فيه ، ولا يبقى لهم منازع في الداخل ولا في
هامش
[ 1 ] . ما أقسى التاريخ وما أعظم دروسه ، فيوم أممت مصر قناتها وثارت ثائرة فرنسا وإنجلترا وغيرهما انعقد مؤتمر لندن عام 1956 ليسترد القناة من أبنائها . . وكتب لهذا المؤتمر الفشل ، ولأصحاب القناة الشرعيين النصر المبين .