تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
غلت أياديها بتقرير هذا الشرط وكتبت على نفسها أن الجلاء لا يكون حتما إلا إذا اتفقت عليه جميع الدول ! ! السياسات في أوروپا سريعة الانقلاب والمنافسات لا تقف عند حد يحيط به النظر ومطامع كل من الدول لا تنتهي عند غاية فليس ببعيد بل هو أقرب من كل قريب أن توجد دولة في دول أوروپا تشد عضد إنجلترا على دعوى أن إخلاءها لمصر يحدث هزة في سلام أوروپا ، وربما تكون تلك الدولة هي الدولة القوية التي يصعب على سائر الدول مخالفتها ، ولا تجد فرنسا عند ذلك موئلا تلجأ إليه سوى الرضاء والتسليم . إذا فرضنا عجز إنجلترا عن استهواء دولة أوروپية توافقها على المكابرة في أحوال مصر وأن سياسة أوروپا وقفت على حالتها في وقتنا الحاضر وأن جميع الدول تحالفت على قول الحق ، فهل تعجز دولة بريطانيا وهيهي عن أن تثير شغبا في بعض الأرجاء المصرية بأن تغري مالطيا بقبطي أو روميا بفلاح أو حمار فتسيل قطرات من الدماء تخيل كل قطرة منها بحرًا وتنادي أن للفتن مثارات وللعصيان أمارات والنظام في خطر ولها حق المحافظة عليه إلى أن تنقلب أرض مصر جنة يكون فيها أمم العالم إخوانًا على سرر متقابلين . ولو اعتبر المسيو چول فري بالمعاهدات التي عقدتها إنجلترا مع السلطنة التيمورية وغيرها من ممالك الهند وكيف أقدمت تلك الدولة على نقضها ولم تبال فيه بعهد ولا ذمة لظهر له أن نقض روسيا لعهدها مع بولونيا ليس شيئًا يذكر بالنسبة إلى حفظ إنجلترا لذممها مع تلك الممالك العظيمة . لو تأمل هذا الوزير في الأعمال الإنجليزية للام نفسه في الاحتجاج بشرف إنجلترا على خلو غرضها وإخلاصها فيما واثقته عليه . إن لم يكن في خاتمة الشرط سر فلم اهتمت بها الوزارة الإنجليزية وألحت على تثبيتها ؟ ! إن لم يكن لها غرض في استعمالها وقتها ، فلم أصدرت أوامرها بمد سكة الحديد من سواكن إلى بربر على نفقة الحكومة البريطانية ؟ ! إن كان لمسيو چول فري ثقة بمسيو جلادستون واعتماد على عفته وطهارة ذيله ، فمن يضمن له بقاءه في رئاسة الوزارة إلى نهاية المدة حتى يوفي بعهده ؟ ! فإذا استعفت وزارة جلادستون لعلة داخلية أو أزمة خارجية وخلفتها وزارة تحت رئاسة اللورد تشرشل أو اللورد سالسبوري - وهما من الطالبين الاستيلاء على مصر أو إعلان السيادة الإنجليزية عليها فأي مانع يمنعهما من الاستفادة من هذه الخاتمة السيئة في مقصدهما المعروف ؟ !
العروة الوثقى — صفحة 386 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده