تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
الأسرار ، واجتمعت الأرواح في الآذان لعلها تسترق سمعًا عن تلك المداونات ، وكمنت كل نفس في مشكاة باصرتها لعلها تستشف من وراء الحجاب ما ينبئ عن الحقيقة أو يقربها من الفهم ، والجميع واقفون وراء حجاب هذا الملعب الشائق وبعد طول الانتظار كشف الستار . فإذا عائدة الإنجليز جالسة في هيكل آمون وبيدها تاج يحكي رأس الثور ( تاج الفراعنة ) متهيئة أن تضعه على رأسها والملوك العظام وقوف بين يديها مستعدون لتهنئتها كأنما هذه المفاوضات والمخابرات إعدادًا وتجهيزًا لإجلاسها على كرسي مينا الأول ورمسيس الأول ، لا حول ولا قوة إلا باللَّه . قام رئيس الوزراء الفرنسي في مجلس النواب خطيبًا لبيان الاتفاق الذي عقده مع حكومة الإنجترا ليرى النواب رأيهم ، وقبل ذكره أنفق ما لديه من البلاغة والفصاحة وحسن البيان لإقناعهم بقبول ما أجرا ، تلطف في الكلام وأبدع وصوب وصعد وأتي على ترغيب يشوبه ترهيب ويأس يحوطه أمل وأدرج في طي خطابه أن فرنسا قبل هذا العهد الجديد لم تكن على شيء ، وبه نالت أشياء وأومأ إلى أن وزارته لو طلبت أزيد مما حصلت لأدى الأمر إلى ممانعة الحكومة الإنجليزية وأفضى الخلاف إلى انقلابها وربما يخلفها وزارة تطمح إلى الاستيلاء على مصر . وجاء في نطقة بما حرك الطباع ومال بالأسماع حيث قال : يلزم لسياسي قبل إبرام حكم أن يلاحظ جميع أطرافه ولواحقه فهذه الكلمة الرفيعة جددت في السامعين آمالًا وظنوا أن المراقبة الثنائية قد أعيدت أو تقرر اشتراك فرنسا مع إنجلترا في الاحتلال العسكري أو إبرام الحكم بخروج الإنجليز من مصر وبالجملة أنهم فازوا فوزًا عظيمًا وبعد مقدمات طويلات [ 1 ] بين الاتفاق فإذا هو بعد إمعان النظر على هذا النحو . إن الإنجليز سادات مصر يفعلون فيها ما يشاءون وليس لنا أن نعارضهم فلا المراقبة الثنائية عادت ولا الاشتراك في التداخل العسكري أو النظر الإداري حصل ولا قررت حرية القتال على أصل ثابت ولا تحقق جلاء الإنجليز على صورة قطعية ولا تأصلت مراقبة دولية كما كان يتوهم بعض السياسيين بل كما كان يلجأ إليه الإنجليز عند نهاية العجز على ما أشار إليه كثر من سياسييهم . فانقبضت صدور النواب ،
هامش
[ 1 ] . هكذا ذكرها الأفغاني وقد راعينا بقدر الإمكان على روح الأفغاني في كتاباته ! !